أكتب إليك يا أبي العزيز الغالي.. أكتب إليك خلف القضبان في زنزانة الأحرار الشرفاء، نعَم والله يا أبي، أنتم الأحرار والشرفاء والغرباء.. أقول لك يا أبي عندما أرى الليل والفجر، عندما أرى وأطَّلع على الصراع بين الشمس وهي تَظهر وتُولَد من الليل الحالك.. أنظر حولي لا أجد إلا قضبان الحديد!!

 

أتعرف يا أبي ما هذا الحديد؟! إنه السجن الكبير الذي نعيش فيه مكبَّلي الأيدي، مغمضي العيون، وأنظر وأقول ما هذا المكان الغريب؟ ما هذا البلد؟ ما هذا العالم؟ أشعر بأني غريبة.. لا هذا مكاني ولا هذه بلدتي، وأقول: أين والدي؟ أين أبي؟ هل دخل اليهود بلدنا واعتقلوا أبي أم ماذا؟ فتجيب الشمس عليَّ، وتقول: هل أنتم الغرباء أم أنا الغريبة هنا في هذا المكان؟!

 

أقول لها لماذا تقولين هذا وأنت الأصل والأساس؟! فتقول أنا أشعر وكأني مأسورة مخنوقة، لماذا؟! لماذا؟! تقول أين الأحرار أين الشرفاء الذين يدافعون عنّي وعن دين الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم..؟! أتركهم في نهار أحد الأيام لا أجدهم في اليوم الثاني!! أظل أبحث عنهم أبحث عنهم حتى أجدَهم.. لا أجدهم..!!

 

وتطول الأيام والشهور وأنا أبحث عنهم، حتى أجدهم داخل مكان صغير جدًّا جدَّا لا أراهم فيه، وأجدهم مشتاقين إليَّ كما اشتقت إليهم، فأطلب منهم أن يخرجوا ويعانقونني، فإذا بهم يجيبون لا نستطيع لا نستطيع!! وأقول ما الذي يمنعكم؟ يقولون: الظالمون، فتقول لهم أنا بحثت عنكم كثيرًا وعندما أجدكم لا أستطيع حتى النظر إليكم، وتقول أنتم جنود الله؟ فأقول لها: نعم لذلك فإنهم لا يبالون بالطغاة.

 

ولكن أيها الرجال الكرماء الأعزاء الشرفاء.. ويا أبي.. أقول لك ومن معك: لا.. لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون بإذن الله.. كل منا يعيش داخل قفص، كريمًا أو ذليلاً، ولكن الحمد لله.. نحن الكرماء.. أما الأذلاء فهم مَن تركوا دين الله، وسعَوا في الأرض ليفسدوا فيها.. الأذلاء هم من خُلِقوا ليمنعوا مساجد الله أن يُذكر أو يرفع فيها اسمه.. من يمشون على الأرض متكبِّرين، متمسكين بالدنيا ونعيمها دون الآخرة.. نعم والله هم الأذلاء الذين يحنون الجباه لغير الله الواحد القهار.

 

ولكن.. نحن الغرباء، وما أعظم الغرباء الذين لا يحنون الجباه إلا لله!! ونحن الغرباء والأحرار في دنيا العبيد، وبهذا هيا بنا نرفع شعار الغرباء في هذه الحياة بكل عزة وكرامة وشرف؛ لأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "سيأتي الإسلام غريبًا ويعود غريبًا".

 

وأنت يا أبي وإخوانك.. يا من رفعتم لله جماجمكم.. يا من لم تخفضوا رءوسكم في ريح الخيانات.. يا من لم تتركوا ولن تتركوا على عقود الذل بصماتكم.. اصبروا، اصبروا؛ فالنصر بدا يظهر ويلوح نورُه في الأفق، والشمس تقول لكم أنا بكم ومعكم؛ حتى نعود معًا في دنيا نكون فيها عبيدًا لله وحده وليس لأحد آخر.

 

وللظالمين أقول: مهما يطول الظلم يموت، مهما زاد قوةً وجبروتًا، وإن الظلم لو طال ليله فإن  للحق ألف نهار، وسوف تندمون، ولكن يومَ لا ينفع الندم، أما الشمس فتقول لهم: بأمر الله جئنا وبأمره نكون، وبأمره نعيش ونموت، وحسبنا الله ونعم الوكيل، الله أكبر ولله الحمد.

------------

* ابنة عبد الناصر حامد أبو الدهب أحد معتقلي الإخوان في الحوامدية بالجيزة والمسجون بوادي النطرون.