بقلم: عبد الله الحامد

حينما بُعث إبراهيم- عليه السلام- سأل ربه لقومه ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾ (البقرة) فاستجاب الله دعاء نبيه إبراهيم، ولكن القرآن أعاد لنا ترتيب مهمة الحبيب المصطفى كما أراد الله عز وجل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2)﴾ (الجمعة) وهكذا تجلَّت لنا رسالة الحبيب التي بعث بها، وهي ثلاثية التربية الأولى التي يجب مراعاتها، ممثلة في (التلاوة- التزكية- التعليم)، والمربي الفعَّال يدرك أن هناك فرقًا في العمل التربوي بين توضيح المفاهيم والتزويد بالمعارف والتربية عليها وتحويلها إلى ممارسات وسلوكيات عملية ميدانية.

 

فالمفاهيم والمعارف يمكن تحقيقها من خلال لقاء فكري أو محاضرة ثقافية أو درس علم، أما التربية والتزكية فتحتاج إلى سنوات طويلة وحركة واسعة للاعتياد عليها والتخلُّق بها وإلى جهد شاق ومتابعة مستمرة للسلوك، وهذا ما بذله الحبيب- صلى الله عليه وسلم- طوال الفترة المكية، ومارسه في المدينة بعد قيام الدولة، ليؤكد أن التربية والتزكية لا تتوقف أبدًا، سواءٌ قبل قيام الدولة أو بعدها، وأنها عمليةٌ مستمرةٌ من الميلاد إلى الممات.

 

على الخطى نمضي
 
مع بدايات القرن العشرين استلهم الإمام البنا خطى الحبيب- عليه الصلاة والسلام- وانتهج النهجَ التربوي في دعوته، واعتمد التزكية والتربية سبيلاً، فأنشأ نظامَ الجوالة والكتائب وأسَّس الأُسَر التعاونية، ووجَّه إخوانه الدعاة والمربِّين، محدِّدًا لهم طبيعة الطريق بقوله: "إن معركتنا معركة تربوية"، وحدَّد لهم ما يجب عليهم تجاه ذلك، فقال: "أيها الإخوان.. إنكم في دور تكوين فلا يلهينَّكم السراب الخادع عن حسن الاستعداد وكمال التأهب، اصرفوا تسعين جزءًا من المائة من وقتكم لهذا التكوين وانصرفوا فيه لأنفسكم، واجعلوا العشرة أجزاء الباقية لما هو لكم من الشئون؛ حتى يشتدَّ عودُكم، ويتم استعدادكم، وتكمل أهبتكم، وحينئذ يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين".

 

 عبرة في قصة

"رأى طفل زجاجة عصير صغيرة وبداخلها ثمرة برتقال كبيرة، فسأل والده كيف دخلت هذه البرتقالة داخل هذه الزجاجة الصغيرة؟! فأخذه والده إلى حديقة المنزل وجاء بزجاجة فارغة وربطها بغصن شجرة برتقال حديثة الثمار، ثم أدخل في الزجاجة إحدى الثمار الصغيرة جدًّا وتركها ومرت الأيام فإذا بالبرتقالة تكبر وتكبر حتى استعصى خروجها من الزجاجة".

 

والدرس التربوي الذي يتجلى لنا من هذه القصة هو أن الإنسان من الصعب عليه أن يتخلص من عاداته السيئة التي تربَّى عليها من الصغر أو التي استمر عليها لفترة طويلة، ولذلك قالها شهيد القرآن "إن حمل الجبال وتجفيف البحار أهون من تربية الرجال".

 

ماذا نريد بالتربية؟!

هل فكرت أخي المربي في هذه التساؤلات: إذا كانت التربية هي السبيل فما هدف العملية التربوية؟ وماذا تريد أن تحقق في المُربَّى؟ وما الأهداف المرجوَّة التي تسعى إليها؟.. هي لا شك ثلاثية الأهداف التربوية (تخلية- تحلية- تنمية) وهي التي يسميها دعاة الإصلاح والتربية بأجنحة العمل التربوي، وهي الأعمال التربوية التي لا يصلح القلب إلا بها:

1- التخلية: ونعني بها انتشال المرء من دائرة ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، وتعني تطهير النفس من رذائل الأخلاق، كالحسد والرياء والكبر والعجب وحب الدنيا وغيرها من الرذائل، وتجنُّب العادات السيئة، وتربية المدعو على الإسلام الأصيل، بأن نزيل رواسب الجاهلية التي في قلبه، وأن نطه