المقدمة
كان الحديث في الحلقة السابقة عن حديث الإخوان مع الحكومة المصرية بشأن مفاوضاتها مع الحكومة الإنجليزية، وتمثَّل ذلك في مقابلة الإمام البنا للنقراشي باشا، وكذلك خطاباته لإسماعيل صدقي باشا، وكذلك أيضًا حديثه للشعب عن هذه المفاوضات التي أصبحت مهدَّدةً بالتوقف والانقطاع، ثم كانت دعوة البنا الأمة للجهاد حتى تنال حريتها وكرامتها.
وفي هذه الحلقة نستكمل الحديث..
لم يكتفِ الإمام البنا بحديثه لإسماعيل صدقي باشا فقط، ولكن وجَّه خطابه للملك أيضًا..
إلى جلالة الملك
(جريدة الإخوان المسلمين اليومية عدد 133 السنة الأولى، 13 ذي القعدة 1365/ 8 أكتوبر 1946، ص1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة في 11 من ذي القعدة سنة 1365هـ
حضرة صاحب الجلالة، الملك المعظم، فاروق الأول، حفظه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد.. فقد تتابعت الأيام والشهور، ومضت الحوادث يتلو بعضها بعضًا، وكلها تُثبت أن المفاوضات بين مصر وبريطانيا لم تعُد الوسيلةَ الصالحةَ لتحقيق مطالب البلاد، وأنها ليست أكثر من إجراءٍ يَقصد من ورائه الإنجليز التعاقد لحماية مصالح يدَّعونها، لا تتفق قطعًا مع استقلال البلاد وحريتها، مع تفويت الفرص السانحة، وكسب الوقت، والعمل على تفريق كلمة الأمة.
وقد أدرك شعب وادي النيل بفطرته السليمة هذه الحقيقة، فحدَّد مطالبَه تحديدًا واضحًا، ثم انتظر وصبر طويلاً، حتى إذا لم يبقَ في قوس الصبر منزعٌ، طلب إلى الحكومة- ممثلاً في كل هيئاته الوطنية وصحفه وجرائده، بل على لسان بعض أعضاء وفد المفاوضة نفسه- أن تعلن فشل هذه المفاوضات، وتتجه اتجاهًا سليمًا، فترفع الأمر إلى هيئة الأمم المتحدة، وتعلن سقوط معاهدة سنة 1936م، التي أصبحت بحكم الحوادث والظروف غير ذات موضوع، كما صرَّح بذلك معالي وزير الخارجية المصرية (وزير الخارجية في ذلك الوقت هو: أحمد لطفي السيد) في مجلس النواب، وتطلب إلى الإنجليز وغيرهم سحب جميع القوات الأجنبية عن أرض الوادي وجوِّه ومائه، وتدعو الأمة وتنظِّم معها سبُلَ الجهاد للوصول إلى الاستقلال الكامل والحرية الصحيحة، كما تفعل كل أمة مجاهدة، نكبتها الحوادث بظلم واحتلال غير مشروع.
ولكن حكومة دولة صدقي باشا الأولى أو الثانية لم تصغَ إلى هذا الصوت القوي الوطني المخلص وأصرَّت على المضيّ في طريقها، حتى بعد أن سافر المفاوضون الإنجليز إلى بلادهم، واعتزم صدقي باشا أن يلاحقهم إلى هذه البلاد، وأن يسافر إلى لندن لاستئناف المفاوضات التي لا خير فيها، ولا فائدة تُرجَى من ورائها.
ثم قال البنا بعد ذلك:
(وأمام هذا الموقف الضارّ بمصلحة الوطن في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الدقائق فضلاً عن الأيام والشهور ننفقها في العمل المنتج، يفزع الإخوان المسلمون إلى جلالتكم، راجين أن تتفضَّلوا بتوجيه الحكومة هذا التوجيه الشعبي السليم أو إعفائها من أعباء الحكم والجهاد في سبيل حقوق البلاد؛ لتنهض بذلك حكومة قوية على هذه القواعد السليمة والأسس الصالحة.
ويعتقد الإخوان من كل قلوبهم أنهم إنما يعبِّرون بذلك عن شعور أمة وادي النيل جميعًا من الشمال إلى الجنوب، وإن جلالتكم- وأنتم الوطني الأول- خير مَن تتحقق على يديه الآمال، وتنصلح بسامي حكمته وجميل إرشاده وتوجيهه الأحوال.
وفَّقكم الله يا صاحب الجلالة للخير، وحقَّق للوادي في عهدكم الزاهر ما يرجو من صلاح وحرية واستقلال- آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
بعد ذلك ذكر الإمام البنا حقيقةً مهمة، ألا وهي أن الأمة التي يضعف إيمانها بحقها دائمًا ما تلجأ إلى الأساليب الضعيفة التي لا تنفع، فيقول:
بين استقلال المجاهدين.. واستقلال المفاوضين
(جريدة الإخوان المسلمين اليومية عدد 134 السنة الأولى، 1