أبو آلاء عبد الله أمين- جدة- المملكة العربية السعودية

في فتوى سابقة طالعتها في هذا الموقع حول حكم سب الظالم، وأنا أسأل ماذا يحمل دلالة مفهوم قوله تعالى ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء: من الآية 148).. ألا تحمل الآية معنى جواز التفريج عن همِّ المغموم من ظلمِ ظالمه والعاجز عن الثأر من واتره فيعمل لسانه، أم تراه يكتم حنقه وألمه ويموت كمدًا؟!! وإنْ لم يكن الأمر كذلك.. فما معنى الآية الكريمة؟

 

المفتي: فريق الفتوى بـ"إخوان أون لاين"

الفتوى التي تتحدث عنها كانت عن هل يجوز سب الحاكم الظالم؟ وهي مبينة في موضعها
http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ID=27659&LevelID=2&SectionID=365

أما معنى الآية التي ذكرتها ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)﴾ (النساء).

 

قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية يقول: "لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحدٍ إلا أن يكون مظلومًا فإنه قد أُرخص له أن يدعو على مَن ظلمه وذلك قوله ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ وإنْ صبر فهو خيرٌ له.

 

روى أبو داود عن عائشة قال سُرِقَ لها شيءٌ فجعلت تدعو عليه فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: "لا تسبخي عنه" "أي لا تفتر عنه ولا تسكن".

 

وقال عبد الكريم بن مالك الجزري هذه الآية هو الرجل يشتمك فتشتمه ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه لقوله ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾ (الشورى).

 

وروى أبو داود عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "المستبَّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم".

 

وروى عبد الرازق عن مجاهد في قوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ قال ضافَ رجلٌ رجلاً فلم يؤد له حق ضيافته فلما خرج أخبر الناس فقال ضيفني فلان فلم يؤدِ إليَّ حق ضيافتي قال "فذلك الجهر بالسوء إلا مَن ظُلم حتى يؤدي إليه الآخر حق ضيافته".

 

وقوله ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)﴾ (النساء)  أي أن تظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه أو عفوتم عمَّن أساء إليكم فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه؛ فإن من صفاته تعالى أن يعفوا عن عباده مع قدرته على عقابهم ولهذا قال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ففي الحديث "ما نقص مال من صدقة ولا زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزَّا ومن تواضع لله رفعه" (انتهى ابن كثير تفسير آية 148 سورة النساء).

 

وعليه لك أن تنفس عن نفسك بما هو مباح، وأحسب أن الشتم والسب ليسا من المباحات فى الإسلام.

 

ادعُ على مَن ظلمك بما لا يُدخلك في دائرة السبِّ والشتم، فليس من خُلق المسلم السب والشتم، ولك أن ترد على مَن سبك بقدر ما سُببت وليس لك أن تزيد، أما من ظلمك فليس لك أن تسبه، ولكن لك أن تدعو عليه ولو سرًّا.

 

لكن بمنطقك هذا لأضحت الشعوب ليلَ نهارَ تسبُّ وتشتم حكامهم، وهذا ليس من خُلق المسلم، إذ هناك فرقٌ بين أن تدعو على مَن ظلمك حاكمًا كان أو محكومًا، وبين أن تسبه أو تشتمه، وهذا الذي قصدنا في الفتوى التي أشرت إليها.