عكاشة محمود عباد

 

إخواني وأخواتي الأحباء الأعزاء..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جاء في الأثر: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، ومعنى هذا الأثر أشعر به الآن، فالبرغم من أن الحياة هنا جميلة؛ الثياب بيض والراحة كثيرة والأكل متنوع ومتغير وكثير، واللهو واللعب متاح، والسمر والمزاح متوفر، والعبادة متيسرة والصلاة جماعة دائمًا، والرعاية الصحية المجانية متوفرة، واحترام الآخرين متوفر، والقراءة والاطلاع لا بأسَ بهما، وقراءة القرآن وتعلمه موجود، وزيارة الأهل منتظمة أسبوعيًّا، ومع كل هذا إذا سجدت لله وجدتني أردد "اللهم فك أسرنا"، نعم لأنني أشعر بمرارة السجن وضيق المكان والبعد عن الأهل والأحبة، والحركة الواسعة والتنقل هنا وهناك بين أرجاء الدنيا، وغير ذلك من الأمور التي أعملها خارج هذا المكان.

 

وقد سألتُ نفسي.. هل إذا خرجت من هذا السجن نلت الحرية والراحة؟ لا.. سأخرج من سجنٍ صغيرٍ ضيق ٍإلى سجنٍ واسعٍ، ولكنه ضيقٌ أيضًا؛ لأنني سأسجدُ لربي وأردد "اللهم إني أسألك جنتك ولا تسجنِّي في نارك".

 

واعلموا أن العارفين بالله علموا ما هي الدنيا وحقيقتها، فما هي إلا سجن؛ فلذلك لم يتقاتلوا عليها ولم يتنافسوا فيها، ولم يبغض بعضهم بعضًا من أجلها، وتحركوا في أرجائها تنفيذًا لأمر ربهم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: من الآية 30)، وقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾ (فصلت)، فتكاثروا عند المغرم وقلوا عند المغنم، وعلموا أنهم بشرٌ، فمَن أخطأ منهم عذروه، ومَن جَهِل منهم علَّمُوه، وكلما جاء أحدَهُم منصبٌ أصابه الهمُّ، فإذا تركه حمد الله أن عافاه، فإذا علم أحدهم أنه خارج من سجنه (سجن الدنيا) قال بحب القولة المشهورة "فزتُ وربِّ الكعبة".

 

ودارس السيرة والتاريخ يجد أن هذه المقولة تكررت مع العارفين كثيرًا، ومن أحسنها "وافرحتاه، غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه".

 

إخواني وأخواتي..

كم أتمنى أن نكون من العارفين، واعملوا أنَّ الذي جمعكم هو رابط الحب، فلا يكن اختلافُ الآراء سببًا يُضعِفُ هذا الرباط، وقد ضعُف هذا الرباط عند غيركم فتفرقوا وتشتتوا وطواهم النسيان.

ولكم مني التحية والدعاء والسلام، ولا تنسونا من صالح دعائكم

أخوكم/ عكاشة عباد