سقطت الخلافة العباسية سنة 656هـ، ودخل التتار بغداد، وقتلوا فيها مليونًا من المسلمين، وخربوها تمامًا، وذلك لضعف الخليفة المستعصم، وخيانة وزيره العلقمي.

 

والأبيات الثلاثة الأولى للشاعر "مهيار الديلمي" (ت 428هـ) أي قبل سقوط الخلافة بأكثر من قرنين..

 

1- (فيا صاحبي أين وجهُ الصباح        وأين غدٌ؟! صفْ لعيني غدا)

2- (أسدّوُا مسارحَ ليلِ العراق            أم صبغوا فجرَه أسودا؟)

3- (وخلْف الضلوعِ زفيرٌ أبَى           -وقد برد الليل- أن يبْردا)

                              *******

 

4- أنادي: فأين الرشيدُ الأبيُّ             وقد حَرمَ السيفَ أن يُغمدا؟

5- وأين الجلالُ.. وأين الجهادُ؟            وأين المنابرُ والمنتـَدى؟

6- وأين الحشودُ، وأين البنودُ             وأين الزحوفُ تُذل العِـدا؟

7- وأين النفيرُ، وأين الزئيرُ              وأين الهتافُ، وأين الصدى؟

8- وأين الحتوفُ، وأين السيوفُ          تلاحِق "نقفور" أنىَّ عَدا؟

9- لقد ذاب "نقفور" من ذعرٍٍِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِه             وذاب من الذعر مَنْ جنّـدا

10- وأينَ رجالٌ وفوا بالعهود             يرُوعون بالحقَّ قلبَ الردى؟

11- كما البحر- واللهِ- في هدْرِه          مضى عاتيًا ثائرًا …مُزبدا

12- فلا أمرَ إلا لزحِف الحديد             وبْرقِ الأسنَّة إنْ أرْعـدا

13- ولا نصرَ إلا لدينِ الهدى             ولا موتَ إلا لمن هـدَّدا

14- فإما قتيلٌُ، وإما أسيرٌ..               وإما جريحٌ هوَى مُقْعَـدا

 15- وإما شريدٌ بلا وجهةٍ                ليقضيَ أيامَه مُسْهـدا

16- وأين الأئمةُ، منْ فقههم               غَدتْ كلُّ أرضٍ بـهْم مسجِدا؟

17- مناراتُ حقٍّ تضيئ القلوبَ          وتغمرها بالشَّذا…والهُـدى

18- وهيهاتَ أُحصي، فما قد مضى       يفوق الخياَل، إذا عُـدَّدا

19- كذلك كنتِ منارَ الوجود…           وكنتِ المهابةَ والسـؤْدُدا

20- أبغدادُ عفْوًا إذا ما فررتُ ...         أعانق في الغابرِ المشْهـدا

21- وأحيا بأمجادِكِ الماضياتِ            فحاضرُك اليوم مُلْقىً سـُدى

22- وأمرك آلَ لنذلٍ غوىٍّ                وكلبٍ على قومك استأسْـدا

23- وعلْج زنيٍم، ولصًّ لئيمٍ               غدا بالخيانةِ مٌستعـبَدا

24- هما اثنان: مُستأجَر آثمٌ               تقاضى، وخان، ولن يَرشُدا

25- وجيرانُ سـوءٍ عصوْا ربَّهم         ومن أرضهم كان وثْبُ العِدَا

26- كبارٌ، ولكن صغار العقولِ           وعارُهُمو يُخجل الفرْقدا

27- طوالٌ، عراضٌ، ولكنهم              لنجدتنا لم يمدّوا يـدا

28- لهم صخَبٌ، لا تقلْ لي: الطبول      وفيضُ ضجيج يغطي المدى

29- رصيدهمو- غير نهب الشعوب-     من الشجْب ما لَمْ، ولن ينفذا

30- وكم قمةٍ عقدوا، وانتهَوْا              وكلٌّ إلى الخُلْفِ قد أخْلدا

31- أراهمْ إذا نظروا للأمور             ضريرًا، وأعورَ، أو أرْمدا

32- وما شغلتْهم قضايا الشعوب          وعِرضٌ عليْه العدوُّ اعتدى

33- ألمْ ترَهُمْ ظاهروا إثْمـَه؟            فمِْن قوسهم نحونا سَدَّدا

34- فهتَّك منَّا نياط القلوب               ومزَّق- من سهمه- الأكبْدا

35- ولم أرَ فيهمْ عزيزَ جنابٍ            بعلمٍ وفكرٍ غـدا سـيّدا

36- وما فيهمو راشـدٌ يَفتدِي            وما منهمو عادلُُ يُفْتدَى

37- يعربدُ "بوش" بهم عابثـا           وهانوا فكانوا له أعْـبُدا

38- كأني أرى فيهمو "العلْقميَّ"          بما قد جناه وما بدَّدا

39- وكيف يكونون مَنْ ديننا            وقد سلَّموا للعـِدا المِقوَدا؟

40- و"بوشُ" يسوقهُمو كالقطيع          فخرّوا له ركَّعـًـا سجـَّدا؟

41- سنتركهم لحسابِ الشعوب           وما هو إلا اللَّظى المُوقَدا

42- أبغدادُ، دار الرشيد المجيد…        أناديك.. هـل تسمعين النَِّدا؟

43- سلمْتِ، ودُمِْت، فلا تفزعي         فأنفُسنا لحماكِ الفـدَى

44- سلمْتِ فقومي- برغم الجراح-     وكوني عليهم ردىً سرْمدا

45- وسُلِّي من الليل وجْه الصباح...    ومِنْ حالكِ الكـْرب هاتي الغَدا

46- وعيشي ضُحاكِ نَديَِِِِِِِِِِِِِّ الشَّذا         وخلَّي نهارَ العـِدا أسـودا

47- فمازال فيك رجالُُُُُ ُ يرَوْن          أمـرَّ من الـموتِ أنْ نرقُـدا

48- وما فيهمو غير حرًّ… أبَّي         أَبَى أنْ ينـامَ، وأن يقْعُـدا

49- وكيفَ وفي عنْقِه بيعةٌ              تناقضُ "بعثهُمو" الأنْكـدا

50- على الحق قامت، وبالذكِر دامتْ    وسنةِ سيدِنا… أحـمدا

51- فلا تَقْنطي... فبشيرُ الصباحِ        يشقُّ إليك الدجى مُنْشدا

52- وقومي وعيشي شموخَ الأباة        مثالاً لكلَِّ الـورى يُقـَتدى

53- وللحقَّ والعلِم والمكرماتِ           -كما كنتِ- كوني لها مَوْردا

54- أبغدادُ، في يومِك المستباح           أرى النصَر في غدكِ الموْعدا

-------
* نقفور: هرقل الروم, نقض عهد هارون الرشيد, فزحف إليه, وأنزل به هزيمةً ماحقةً نكراء، ولم يكن الرشيد يخاطبه في رسائله إلا بـ"كلب الروم"، وهذه القصيدة أهديها إلى بغداد وقد مضى أربعة أعوام على سقوطها في أيدي الأمريكان بسبب الخيانة.