تعيش مناطق ريف القنيطرة جنوبي سورية حالة من التوتر المستمر في ظل تصاعد التوغلات الصهيونية داخل الأراضي الزراعية والسكنية، وما يرافقها من إجراءات عسكرية تزيد من معاناة السكان المحليين وتعمّق مخاوفهم على حاضرهم ومستقبلهم. ولم تعد هذه التحركات حوادث متفرقة، بل تحولت إلى واقع يومي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، من العمل في الحقول إلى الحركة داخل القرى.
في القرى القريبة من خط الفصل، يشكو الأهالي من عمليات قضم أراضٍ تدريجية، حيث يمنع المزارعون من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، خاصة تلك المحاذية للسياج الحدودي. ويؤكد عبد الرزاق الكفري، وهو من سكان مدينة القنيطرة، أن إطلاق النار بات أمراً متكرراً، خصوصاً باتجاه رعاة الأغنام في محاولة لمنعهم من الاقتراب من تلك المناطق، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة وتراجع النشاط الزراعي بشكل ملحوظ. مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن توغلات جيش الاحتلال انعكست بشكل مباشر على حركة البيع والشراء. كما تراجعت عمليات الاستثمار في الأراضي بشكل واضح مع إحجام كثيرين عن الشراء خوفاً من فقدان ممتلكاتهم أو تعرضها لمخاطر أمنية. كما توقفت مشاريع إعمار كانت قيد الدراسة نتيجة القلق من عدم الاستقرار.
من جهته، يقول نور الحسن، من أهالي القنيطرة،: "الناس اليوم يعيشون في خوف حقيقي، ليس فقط من إطلاق النار، بل من الاعتقال على حواجز التفتيش"، مضيفاً أن الحركة داخل القرى باتت محدودة، خاصة في ساعات الليل، حيث يفضّل السكان البقاء في منازلهم خوفاً من التعرض لأي طارئ. وأردف: "الأطفال صاروا يشعرون بالخوف، ولم تعد حياتنا طبيعية كما كانت".
من جهته، يشير محمود بدر، وهو مزارع من ريف القنيطرة، إلى أن "الأراضي القريبة من السياج صارت شبه مهجورة، فلا أحد يمكنه العمل فيها، وكل موسم نخسر أكتر، ولا نحصل على أي تعويض". ويرى أن استمرار هذا الوضع قد يدفع المزيد من العائلات إلى ترك الزراعة مصدرَ رزق أساسياً.
أما أم خالد، وهي سيدة من المنطقة، فتتحدث عن حالة القلق الدائم التي تعيشها العائلات قائلة: "هناك دبابة إسرائيلية موجودة بشكل دائم على تلة سد المنطرة، وكأنها تراقب كل شي، ناهيك عن السيارات العسكرية التي تجوب المنطقة بشكل مستمر. حوالي تسع سيارات نراها يومياً، ما يجعلنا في حالة رعب مستمرة".
وتوضح أن هذا الوجود العسكري الكثيف خلق حالة من الضغط النفسي، خاصة لدى النساء والأطفال، في ظل غياب أي شعور بالأمان.
وتبدو القنيطرة اليوم أمام واقع معقد، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الاقتصادية والاجتماعية لتشكّل عبئاً ثقيلاً على السكان. ومع استمرار التوغلات والإجراءات العسكرية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذه المناطق، وإمكانية استعادة الحياة الطبيعية في ظل هذه الظروف.