أي بني، رأيتك أثناء محاكمتي في قضية التحفظ الظالمة، ودموعك تنساب من عينيك وتحاول ألا تراني وأنا خلف القضبان وتحاول أن تداري دموعك براحتك الصغيرة تخفي بها عينيك، ولكن غلبتك طفولتك وانسابت دموعك وعلا نحيبك فلم أستطع أن أتبيَّن ما تريد أن تقوله لي وإن كانت دموعك خطت في صفحات التاريخ مدى ظلم الظالمين وقسوة القائمين على أمرِ هذه البلاد الذين أذلوا أهلها وأجاعوا شعبها، لم تتكلم بلسانك ولكن تكلمت نظراتك التي عبَّرت عن قهرٍ قُهِرته وحرمانٍ حُرمته وقسوةٍ ذقتها في وقتٍ تحتاج فيه إلى مَن يلاعبك ويداعبك، لقد قتلوا طفولتك وطعنوا قلبك الصغير بسيفٍ كبيرٍ وذبحوا مهجتك وأزالوا بهجتك وحرموك من أبيك، كما حرموني منك وأنت في قلبي وكبدي.

 

أي بني.. لقد انسابت دموعك على وجنتيك فنزلت في قلبي تحيي فيه معاني كثيرةً وتؤجج فيه مشاعر عديدة، استشعرتُ يا ولدي دعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "وأعوذ بك من قهر الرجال"، وإن أسوأ ما يشعر به الحر هو مرارة القهر والظلم، استشعرتُ ظلم الظالمين الذي ليته وقف عندي وتوقَّف، بل طال صغارًا وأحداثًا أفهامهم لا ترقى للحدث وآذانهم لا تستوعب الحديث.. كل ما يعرفونه أنهم حُرموا آباهم الذي يحترمه كل الناس ويحبه شتى الأجناس، هذا الأب الذي حُرمت منه يا بُني إنما حُرمت منه لشرفٍ يُطوِّق عنقك، ولعزٍّ لن يبرح سيرتك ومجدٍ يعلو به ذكرك.

 

أي بُني فرَّق بيننا السجان وبقيت صورتك في مخيلتي ودموعك تُثير حزني فقمتُ من فوري وتوجهتُ إلى ربي دعوتُ فيها على مَن ظلمني وظلمكَ، دعوتُ مَن لا تنام عينه ولا يُؤمن بطشه، دعوتُ الله أن يجعل دموعك بحارًا تغرقهم وأمطارًا تسحقهم ورياحًا تدمرهم ونارًا تحرقهم، دعوت الله بحرقة المظلوم... المظلوم الذي لا يرد الله دعاءه ويجيبه قائلاً: "لأنصرنك ولو بعد حين".

 

ولكن يا بني... هل حقًّا أنا المسجون هل هم حبسوني؟ لا والله إنما حبسوا أنفسهم وسجنوا ذواتهم فإنما الحبيس من حبس قلبه عن ربه، وإنما الأسير من أسره هواه، إنهم وهم يروحون ويجيئون، ويصولون ويجولون، يشعرون بمقتِ الناس لهم ودعائهم عليهم، فضلاً عن مقت الله لهم.

 

إنهم لا يهنئون بصحبةٍ صادقةٍ ولا ضحكةٍ صافيةٍ، ولا يختلون بأنفسهم إلا وركبهم شيطانهم، وضاقت أنفسهم وضاقت عليهم سلطاتهم بما رحُبت.

 

إنني رغم أني أسيرٌ عندهم إلا أنه يكفيني أنك وأنت الصغير يقابلك الكبير والصغير فيهدونك سلامهم لي، وتستشعر أنَّ الله قد قيَّض قلوبًا قد آمنت وبطغيان الطغاة قد كفرت ولكن منها خوف على رزقٍ عاجلٍ أو مكروهٍ آجلٍ أن يقولوا قولة حق يرضون فيها ربهم فرأوا فيك بغيتهم فبادروك بسلامهم عليَّ وواسوك بسؤالهم، ويكفيك يا بني منهم ذاك، وإن كنتُ أريدُ منهم أكثر من ذلك.

 

يا بني.. لا تبكِ؛ فإنني قد أُسرت وسجنتُ لله أولاً ولكم ثانيًا، وقد تسألني كيف سُجنت لك وقد فرَّق السجن بيني وبينك.. يا بني إنني سجنت لكَ لأني أحاول أن أجاهد ظلمًا جائرًا ونظامًا فاسدًا ضيَّع مستقبل الشباب وألبسهم من الذل الثياب، فسرقوا آمالهم واستعبدوهم في أعمالهم فكانوا كالرقيق في زمن ولَّى فيه العبيد، وجعلوا الناس لهم أجراء وليتهم يُوفون للأجير أجره فمَن رضي حتى منهم بالزهيد جعلوه في بيته قعيدًا لا يجد مهنةً يمتهنها ولا عملاً يعمله.

 

يا بُني سُجنت من أجلك لكي يأتي اليوم الذي تعيش فيه في ظل شرع الله عز وجل؛ حيث يسود العدل ويعم الرخاء، ويكون الناس في ظله سواء ويُنتصف فيه من القوي للضعيف وليستشعر فيه الضعيف مساواته بالشريف وتستشعر فيه العزة والقوة فيكون لقولك أثرًا ولرأيك وزنًا، فلا تكنْ في هذه الحياة هملاً تعيش كالأنعام بل أقل، ولكن كُنْ إنسانًا له حقوقه وله كرامته وله احتياجاته والتي يؤمنها كلها نظام ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (التوبة: من الآية 36).

 

يا بُني سُجنت لك ومن أجلك حتى تعيش في مجتمع نظيف تعلو فيه الفضيلة وتندحر فيه الرذيلة تسوده مكارم الأخلاق وقيم الإسلام النبيلة لا القيم الدخيلة علينا والتي تفسد الصغير والكبير والمرأة والرجل فلا مكانَ لرجولةٍ نبيلةٍ ولا لأنوثةٍ عفيفة.

 

وإن كنت سُجنت لكَ أولاً ومن أجلك ثانيًا فإنني مطمئنٌ عليكم حتى لو كانت نظرتي إليك حين بكائك هي آخر نظرة لي إليك؛ وذلك لأنني استخلفتُ الله عليك وعلى إخوتك، والله لا يضيع ودائعه ولا تنقضي خزائنه، فلم أكلكم إلى مالٍ أجمعه أو عقارٍ أورثه، ولكن وكلتُ فيكم ربي وتذكرت قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء).

 

يا بني.. لا تبكِ ولا تجعل دموعك تنساب من عينيك ولكن إن انسابت رغمًا عنك فاجعل هذه الدموع رواءً لعزمٍ أكيد وعملٍ مديد.

 

اجعل دموعك مدادًا تكتب به في صفحات كتابك عند ربك وفي صفحات التاريخ معاني الجهاد والتضحية والقوة.

 

اجعل دموعك رواءً ليصلب عودك وتقوى عزيمتك، وتسير على درب أبيك والذى سار على درب الصحابة الكرام وسيد الأنام صلى الله عليه وسلم.

 

يا بني لا تبكِ... فالذي يبكي هو الذي خسر دنياه وآخراه، وهم الظالمون الذين أفسدوا دينهم ودنياهم، فهؤلاء لهم البكاء، ولكن ليس لهم عزاء؛ فقد باعوا الغالي بالرخيص، وتفانوا للفاني دون الباقي فلهم كلهم الفناء، ولك وحدك ولأمثالي يا بني البقاء، فلا تبكِ يا بني... وإن بكيت أيامًا فستضحك قرونًا وأزمانًا.