د. منال أبو الحسن

 

كيف يحب أبناؤنا اليوم؟, وماذا يحبون؟, ومَن يحبون؟ لقد سادت الطريقة الإعلامية في الحُبِّ على سلوك أبنائنا وأفكارهم فإذا كان الإعلام يُظهر الحب ويحصره في العلاقةِ بين الذكر والأنثى ولا أقول الرجل والمرأة؛ لأن المنتجات الإعلامية من أفلامٍ وقصصٍ مصورةٍ ولوحات إعلانية وبوسترات في الشوارع وأغانٍ يتغنى بها الصغار لم تعد تفرِّق بين الطفل والشاب والرجل, فإن هذه الصورة الذهنية قد ترسَّخت في أذهان الأجبال العربية والإسلامية حتى إنها ألغت أو محت أو قللت الأحاسيس الأخرى بين العائلة، فالحب بين الزوج والزوجة في التليفزيون يشوبه الخلاف والغيرة والشك والخيانة؛ وذلك من مقتضياتِ الحبكة الدرامية والحب بين الإخوة والأخوات يشوبه الحقد والحسد والغيرة، والحب بين الزوجة والحماة يكاد ينعدم متأثرًا بالخلافاتِ وسوء الفهم وغيرة الأم على ابنها، والحب بين الأبناء والوالدين يتأرجح بين الخوف والشك والإهمال والنسيان وحب الذات، أما حب الله فيكاد لا يذكر إلا قليلاً, وما ينعدم تمامًا الحب في الله فهو مصطلح لا يُذكر كمفرداتٍ ولا يعبر عنه في السياق ولا يحتوي عليه المضمون.

 

إذن ما الحب الذي يتعلمه الأبناء من الإعلام؟ هو أنواع فمنه الحب الذي يسير في اتجاهٍ واحد غالبًا كحب الفتاة للفتى أو العكس دون علمه، ويوضحه الإعلام على أنه نوعٌ من الوفاء والإخلاص للحبيب، حتى في حالة عدم تبادل المشاعر والأحاسيس، ويُظهر الألم النفسي والترقب والصراع من أجل الحصول على الحب من الطرف الآخر, وهناك الحب من طرفٍ واحد، ولكن بعلم الطرف الآخر، وهذا الحب يمكن أن يتم إشباعه بالطرق غير الشرعية، وهي عديدة منها المقابلات والزواج السري أو ما يُعرف بالعرفي، وهو ينتهي إما بالانفصال لعدم تقبل المجتمع له وإما بسبب الخلافات بين الطرفين.

 

وهناك الحب على طريقة التيك أواي وهو ما يتم بالصدفة ولفترةٍ محدودةٍ تنتهي بمجرَّد انتهاء الظروف التي جمعت الطرفين وتظهر فيه المشاعر المتأججة والسعادة غير المحدودة ثم تنطفئ فجأةً وينتهي كل شيء وتبدأ حالة حب أخرى لأي من الطرفين أو كليهما, وهناك حب الرسائل التي وفَّرتها تكنولوجيا الاتصال من خلال رسائل مكتوبة أسفل الشاشة والتي يتم إرسالها عبر الهاتف المحمول ويقرأها المشاهدون على الملأ وهي تمثل نوعًا من الحب التكنولوجي الهدف منه التجريب والتباهي بالرسالة لا بالمحبوب، وهذا الحب صوري ووهمي وبالصدفة ولحظي، وهو يستنفد أموال المشترك والمتظاهر بالحب.

 

أما مظاهر الحب الإعلامي فتبدو في القبلات والنظرات والكلمات واللمسات وأحيانًا تتطور لتظهر بعض العلاقات الجنسية بين الطرفين، وهي كلها مظاهر لا تتم في إطار شرعي أو أخلاقي مستقي من القيم الدينية والأخلافية الصحيحة، فهي من البداية تتم بين أطراف لا ترتبط برباطٍ شرعي ولا يكون هدفها النهائي الرباط الشرعي أو الميثاق الغليظ أو عقد الزواج, أما عن الأسلوب المتبع في الحب الإعلامي فهو يتركز حول الإغراء بالنظرات والملابس والحركات واستخدام كافة التقنيات الإعلامية في التصوير والإخراج والديكور والإضاءة والصوت والمؤثرات الصوتية والموسيقى, في ظل هذه الثقافة الإعلامية المؤثرة على أبنائنا لاستقاء أعز المفاهيم وأعلاها؛ وهو مفهوم الحب نجد العديد من الأمهات اللاتي يشتكين من ضعف أحاسيس أبنائهن تجاه الوالدين والأخوات, ويشتكين من ضعف الترابط الأسري وسوء التعامل وإهمال المشاعر وضعف الأحاسيس بشكل عام, فلتعلم هذه الأمهات أن الإعلام يُشكِّل الصورة الذهنية للمشاهد ويشكل بذلك الأحاسيس الوجدانية والمشاعر العاطفية ويلغي أنواعًا من القيم ويركز على أخرى بصرف النظر عن كونها سيئةً أو ضارةً أو سلبية.

 

ولتعلم الأمهات أن أبناءنا يقضون وقتًا أمام شاشة التليفزيون والإنترنت أكثر من الوقت الذين يقضونه في المدارس، ومثل هذا الأمر يضع العبء على الوالدين والمسئولية في تكوين الصورةِ الذهنية الصحيحة للمفاهيم القيمية، وخاصةً مفهوم الحب, وفي تصحيح الصورة الذهنية التي تكونها وسائل الإعلام؛ وذلك بشكلٍ دائم ومستمر, ويأتي السلوك على قمة أساليب العلاج فإشاعة الحب المنزلي بين أفراد الأسرة بإرضاء كل فردٍ للآخر في حدود إمكانياته والأصول وإشاعة قيمة الإثار والتدريب عليها والحرص على أدائها من قِبل الوالدين والأبناء وعدم تحميل الغير ما لا يستطيع والرحمة والألفة والعطف والعطاء الدائم والعفو والمغفرة كلها وسائل وأساليب لإشاعة الحب المنزلي.

 

إن اتباع أساليب الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الحب المنزلي يمثل هدايةً ونورًا للوالدين فلم يترك الأسلوب النبوي الشريف طريقًا للحب إلا وسلكه فاتبع الحب باللمس ومسح الرأس وفرك الأذن وتلامس الركبتين, واتبع الحب بالكلمة الطيبة وحسن النداء ولين الحوار واختيار أفضل الأوقات للحديث ونبرة الصوت الهادئ الرصين وأسلوب الحديث الموجه باستخدام المناداة باسم المتحدث إليه بألطف العبارات, واتبع الحب بالنظرة فكان ينظر إلى المتحدث إليه بوجهٍ طلقٍ بشوش, واتبع الحب باللقمة فكان يشارك الناس في إعداد الطعام ويجتمع بهم ويناقش أفضل الحديث أثناء الأكل، وكان يشرب خلف زوجته كتعبيرٍ عن الحب الزوجي, واتبع ضمة الحب عندما كان يحمل الحسن والحسين، وقبلة الحب عندما كان يقبلهما, وبسمة الحب وجعلها فضيلةً وصدقةً فتبسمك في وجه أخيك صدقة, وصراحة الحب عندما كان يُصرِّح بحبه وينصح المسلمين بالتصريح بالحب لمَن تحب ولكن ليس على الطريقة الإعلامية الآن.

 

إنه حب لم يعلن عنه الإعلام ولم يستخدمه صراحةً أو مضمونًا، إنه الحب في الله، وهو في الإسلام له دعاؤه: "اللهم ارزقني حبك وحب مَن يحبك وحب كل عملٍ يقربني إلى حبك"، وله أساليبه السامية التي ليس لها منافع دنيوية ولا مصالح ذاتية ولا تنتهي بفراق أي طرفٍ للآخر، وهي مفتاح السعادة في الدنيا والوصول إلى المنازل التي يغبطها الأنبياء والصالحين يوم الدين، ألا يستحق هذا الحب أن نشيعه في الأسرة وأن نُنشئ عليه أبناءنا فنفوز جميعًا بحسنة الدنيا وحسن ثواب الآخرة؟.

---------------

* كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر