محمد خليل أسوم
اعترف بأخطائه..
تغيّر حقًا وصدقًا..
فعل ما يجب عليه من علاج نفسي أو طبي..
بذل كل جهد ليقنعها بالعودة إليه..
قادر أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، لكنه بقي متمسكًا بها..
قادر أن يعصي ربه ويتسلى مع الكثيرات، لكنه لم يفعل..
لو كان لا يحبها، لكان الخلع فرصة له للخلاص، ومع ذلك هو يرفضه بشدة..
ولو كان لا يحبها، لعادى أهلها وحاربهم ولفعل كل ما يغيظها..
ومع ذلك، الخوف يسيطر عليها، والرفض هو سيّد الموقف.
هذه ليست حالة ولا حالتين، بل عشرات الحالات التي عُرضت عليّ في الاستشارات..
■■ حقك أن تخافي.. ولكن..
هذا الخوف له ما يبرره…
هو خوف من أمور كثيرة، متشابكة وصعبة:
● من تكرار ما مرت به من ألم، وشعور بالدونية، وقلق واضطراب، وشقاق ونزاع وتهديد أمان..
● من تعرضها للانتقاد حين تقرر الرجوع لزوجها، خاصة من أهلها أو من الذين ساندوها..
● من ظهورها بمظهر المتسرعة في القرارات، دون أن تحسب حساب الرجعة..
● من القول لها:
لقد ضعفتِ مجددًا، لقد استسلمتِ، لقد تغلّب عليكِ..
● من خسارة بعض الأمور المادية التي أنجزتها كامرأة منفصلة، ومنها الارتباط بعمل، أو استئجار بيت وفرشه… إلخ.
● من عدم مسامحة من أساءت إليهم من أقارب الزوج، فهي تظن أنها ستعود لتعيش بين أعداء، بعد أن أخذت قرارها بالانفصال.
● من زوجها الذي تغيّر، أن لا ينسى ما فعلت، وأن تجتاحه إمكانية الرغبة بالانتقام بعد رجوعها..
● وهناك خوف خفي، من أن يكون الله غير راضٍ عنها، لأنها قامت باستخارات قبل خطوة الطلاق
(كل هذه المخاوف حقيقية، وجدية، وواقعية، وطبيعية..
لكن هناك أمر لا يمكن تجاهله أبدًا..
هناك واقع جديد:
زوج أقرّ بأخطائه، وعمل على إصلاحها، وسعى بكل قوته وجهده وحبه أن تعود إليه..
فهل نفوّت الفرصة بالصلح، ورأب الصدع، ولمّ الشمل،
ونحن نعلم أن الله تعالى حضّنا على الصلح، والتسامح، والعفو؟!
■■ خياران: كل واحد أصعب من الآخر
■ الخيار الأول:
رفض الصلح، والإصرار على الانفصال،
وهو حق مشروع، لا يمكن لأحد أن يجادل في ذلك،
لكن له تبعات مؤلمة:
● فتح الباب لزواجه وزواجها، وتشرد الأبناء والبنات نفسيًا بينهما، مع إمكانية فشل التجربة الثانية أيضًا.
● قد تكون أخذت قرارًا بالتفرغ لتربية أولادها، وهذه تضحية كبيرة منها،
لكن في المقابل، يكون الزوج قد أسّس حياة جديدة، وزادت مسئولياته، وبالتالي تصبح مسئولية التربية عليها كبيرة جدًا.
● هناك احتمال حقيقي للندم، وأنا هنا لا أدّعي، بل أعرف حالات كثيرة من ندم الزوجات،
لكن ندم بعد فوات الأوان..
وسبب الندم هو سكون الغضب وزواله، واستيقاظ الحب المدفون في القلب، وهذا يسبب حسرة كبيرة، خاصة إذا كان الزوج قد صار مع زوجة أخرى وأسّس أسرة جديدة..
● هناك احتمال أن لا يكون الطلاق بالتراضي، وأن لا يُنسى الفضل بينهما، وأن تتحول الحياة بعد هذا الانفصال إلى صراع وعداوة أشد مما كانا عليه في الزواج..
باختصار:
قرار الاستمرار بالانفصال حق مشروع، لكن تبعاته ليست دائمًا كما نحب أن تكون..
■ الخيار الثاني:
العودة إليه، مع الاحتفاظ بحق طلب الطلاق لو ثبت أنه لم يتغيّر.. وهذا أمر يحبه الله ورسوله، فـ "الصلح خير"،
وعند النيات الطيبة يأتي التوفيق:
"إن يريدا إصلاحًا يوفّق الله بينهما".
وهو خيار يحفظ كل شيء، ويستأنف الحياة بعد توقفها، لكن بأسلوب جديد مختلف تمامًا:
● يحفظ الحب بينهما..
● يحفظ الأولاد..
● يحفظ كل الأموال التي أُنفقت في مشروع زواجهما..
● يحفظ التراحم والمصاهرة..
● يحفظ التعاون بينهما على أعباء الحياة..
● يحفظ سمعتها وسمعته من الأقاويل والإشاعات..
هناك خطر واحد فقط:
أن يكون التغيّر غير حقيقي، وأن تعود الحياة إلى ما كانت عليه..
وهذا الخطر يمكن التعامل معه بسهولة، وذلك بالمطالبة مجددًا بالانفصال، وعندها سيكون الأمر مقبولًا عند الجميع،
لأن الفرصة فشلت حقًا..
■■ قرارك .. لا قرار الناس
الرجوع قراركِ أنتِ..
لا أحد غيرك سيعيش مع زوجكِ..
وإذا كانت هناك معاناة، فلن يعانيها أحد غيركِ..
كل واحدة من اللواتي أقنعتهن بالرجوع إلى أزواجهن
(وهن يقرأن الآن)،
قلت لها:
"لا أريدكِ أن ترجعي وأنتِ تشعرين أنكِ مقهورة، أو مكسورة، أو مجبورة..
أريدكِ أن ترجعي وأنتِ واثقة من قراركِ
أن حياتكِ الزوجية تستحق حقًا فرصة جديدة."
وهناك حقيقة يجب أن نعيها جيدًا:
كلام الناس لا يقدّم ولا يؤخّر، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا..
وعندما يتحقق الصلح، ويلتمّ الشمل، فإن كل الألسنة ستخرس، ولن يتكلم بعدها إلا حاسد أو حاقد..
■■ الخلاصة :
لنقرأ جميعًا بخشوع قول الله تعالى:
"وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا"
"فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف"
هاتان الآيتان تختصران كل شيء:
ثقافة الصلح هي التي يجب أن تسود في المجتمع، لا غيرها.