بقلم: د. توفيق علي مراد زبادي
حين يقف الإنسانُ في محراب العبادة، خاشع القلب ساكن الجوارح، يظن – لوهلة – أنه وحده في هذا المقام، وأن مشاعره الروحية تجربة فردية معزولة. غير أن القرآن الكريم يفتح لنا نافذة واسعة على مشهد كوني مهيب، تتوحد فيه المشاعر وتتناسق فيه الشعائر؛ حيث لا يكون الإنسان وحده العابد، ولا القلب وحده الخاشع، بل تشاركه الأرض التي يقف عليها، والجبال التي تحيط به، والسماء التي تظلّه، في موكب تعبدي واحد.
إنه عالم يتناغم فيه الإيمان مع الوجود، وتنسجم فيه حركة السجود في القلوب مع سجود الأفلاك والأجرام، وتتجاوب فيه مشاعر الحب، والخشية، والغضب، والغيرة لله بين الإنسان والمخلوقات.
وفي هذا التناسق العجيب يرتقي الإنسان من كونه فردًا محدودًا، إلى كونه جزءًا من منظومة كونية تتعبَّد لله عز وجل بمشاعرها وشعائرها، وتنتفض إذا مُسَّت قداسة التوحيد، وتثبت إذا حاول الباطل زعزعة الإيمان.
ومن هنا تأتي هذه المقالة؛ لتكشف لنا جانبًا من وحدة المشاعر والشعائر بين الإنسان والكون، وتعيد تشكيل وعي العابد بحقيقة موقعه في هذا الوجود.
والتناسق: هو ما كان على ترتيب ونظام واحد قد عُطِفَ بعضها على بعض؛ لخدمة موضوع واحد.
والمشاعر: هي «الإدراكات الحسية لشيء يحدث في الجسد»([1]).
والشعائر: هي «ما يؤدَّى من العبادات على سبيل الاشتهار».
وتأمل معي هذه الوقفات مع هذه الآيات:
التناسق في مشاعر الخشوع بين الأرض والعابدين:
ووردت لفظة «خاشعة» في هذا السياق: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُون. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [فصلت:39]
«عند التأمل في هذا السياق؛ يلحظ المتأمل أن جو السياق جو عبادة، وخشوع، وسجود، يتسق معه تصوير الأرض «خاشِعَةً» فإذا نزل عليها الماء؛ اهتزت وربت؛ لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم في عبادتهم، وخشوعهم، وسجودهم».
التناسق في مشاعر الخضوع والامتثال بين المخلوقات وبين المؤمنين العابدين:
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [الحج: 18]
وتأمل معي هذا الحشد من الأفلاك والأجرام، وهذا الحشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان كلها في موكب خاشع تسجد كلها للّه، وتتجه إليه وحده دون سواه؛ لتشارك المؤمنين العابدين في سجودهم وخضوهم وذلتهم وامتثالهم لله عز وجل، تتجه إليه وحده في هذا الموكب المتناسق.
نموذج للعابدين الذي شاركهم الكون في المشاعر والشعائر:
قال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّاب (*) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاق} [ص:17-18].
والأواب: الكثير الأوب، أي الرجوع. والمراد: الرجوع إلى ما أمر الله به، والوقوف عند حدوده وتدارك ما فرط فيه.
ومن أعظم العابدين دَاوُودَ عليه السلام فكان إذا سبح؛ تسبح معه الجبالُ الراسيات الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات، تسبيحًا معه لله رب العالمين.
ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ، الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشي والإشراق، حينما يخلو إلى ربه، يرتل ترانيمه في تمجيده وذكره.
والطير تتجمع على نغماته؛ لتسمع له وترجع معه أناشيده، لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ، إذ يخالف مألوفهم، ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان، وجنس الطير، وجنس الجبال! ولكن فيم الدهش؟ وفيم العجب؟
إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة هي وحدة الشعائر ووحدة المشاعر؛ يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله: أحيائه وأشيائه جميعًا.
التناسق في مشاعر الغضب بين الأرض والجبال والعابدين:
قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم88-:93]
التفطر: الانشقاق، والخرور: السقوط.
تأمل في فظاعة القول على الله بحيث أنه يبلغ إلى الجمادات العظيمة؛ فيغير كيانها ومشاعرها؛ لتشارك الموحدين جو الغضب، والغيرة، والانتفاض لبارئها وخالقها، وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض، وترتعش وترجف من سماع تلك القولة النابية، والمساس بقداسة الذات العلية.
التناسق بين ثبات الإيمان في قلوب المؤمنين وثبات الجبال الرواسي:
وقال تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال} [إبراهيم: 46]
والمكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضماره.
السياق يظهر إثباتا لزوال الجبال من مكر أعداء الدين، أي مكرهم عظيم لتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول؛ فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة، وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه يقوم به المجرمون من أجل إزالة الإيمان من قلوب المؤمنين.
وفي الآية ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه الذين يريد المشركون المكر بهم أنهم لم يزعزعهم مكرهم؛ لأنهم كالجبال الرواسي.
التناسق في مشاعر الحب بين المؤمن والجبال:
روى الشيخان عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ- رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»([2]).
قال النوويّ -رحمه الله-: "جعل الله تعالى فيه تمييزًا يحب به، كما قال: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]([3]).
وصدق القائل([4]):
أحُـــــــــــــــــــــدٌ جبلٌ يملكُ قلباً ويُحب (الهاديَ) والصحبا
ولديه مشاعرُ وسجايا تدفعُه ليكيل الحـُــــــــــــــــــــــــــــــــــــَبا
وهكذا، تتجلّى أمامنا حقيقة كبرى: أن الإيمان ليس حالة نفسية معزولة، ولا العبادة طقسًا فرديًا جامدًا، بل هما اندماج كامل في إيقاع الكون، وتناسق حيّ بين القلب المؤمن والمخلوقات كلها. فالأرض تخشع، والجبال تسبّح، والسماء تكاد تتفطر غضبًا حين يُنتهك التوحيد، والجبال تثبت كما يثبت المؤمن أمام مكر الماكرين، بل إن الجبال تحب وتُحَب، كما أحبّ أُحُدٌ رسولَ الله ﷺ وأصحابه.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا الوعي القرآني العميق، فنعبد الله بقلوب حاضرة، نشعر أن الكون من حولنا يشاركنا الخشوع، ويؤازرنا في الثبات، ويغار معنا على جناب التوحيد. وما أحوجنا أن نكون – بإيماننا وصدقنا – جديرين بأن ننسجم مع هذا الموكب الكوني، لا نشذّ عنه بالغفلة، ولا نخرج عن نغمه بالمعصية.
اللهم اجعل قلوبنا عامرة بخشيتك، منسجمة مع طاعتك، ثابتة كثبات الجبال الرواسي، واجعلنا ممن يعبدونك في انسجام مع آياتك في الأنفس والآفاق، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ستيفن فروش، "المشاعر". ترجمة عبد الله عسكر، ط 1, القاهرة: المركم القومي للترجمة: ص: 33
[2] رواه البخاري،( 1481)، ورواه مسلم،( 1392).
[3] شرح النووي على مسلم: 9/ 139.
[4] الديوان، احمد علي سليمان عبد الرحيم.