إيمان صبري

النفقة على الأسرة من القضايا الجوهرية التي تناولتها الشريعة الإسلامية، حيث أوجب الإسلام على الزوج الإنفاق على زوجته وأولاده، مما ينعكس على نجاح الأسرة ودورها في بناء المجتمع واستقراره. فالنفقة ليست مجرد واجب مالي، بل هي تعبير عن المسئولية والرحمة التي يجب أن تسود العلاقات الأسرية.

وتتجلى أهمية النفقة في الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تؤكد وجوبها. فقد قال الله تعالى: "لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ" (الطلاق: 7)، مما يدل على أن النفقة واجب على كل قادر، سواء كان غنياً أو فقيراً، بحسب قدرته. 

وفي داخل الأسرة لا بدّ أن يكون لدى كل من الزوج والزوجة الخبرة الكافية لضبط ميزانيتها؛ فهناك حالات طلاق كثيرة كان سببها سوء استخدام المال، وعدم ترشيد الإنفاق، سواء من قبل الزوج أو الزوجة، فالنتيجة واحدة،

اختلاف النفقات قبل الزواج وبعده

ومن الأهمية بمكان أن يعي شبابنا سبيل كسب المال الحلال وحسن تدبيره وإنفاقه، فالشاب قبل زواجه تختلف نفقاته عما بعد الزواج، وكذلك الفتاة وهي في بيت أهلها تختلف نفقاتها عن نفقاتها في بيت زوجها، وتخطئ كثير من الفتيات في مقارنة زوجها بأبيها في حالته المادية، وكذلك يخطئ كثير من الشباب إذا قارن زوجته بأمه في تدبيرها للمنزل.

فالذي ننصح به ألا تقارن زوجتك بأمك في تدبير المنزل، فأمك عمرها خمسون سنة أو أكثر فهي خبرت الحياة، أما زوجتك عمرها 25 سنة ولا تمتلك خبرة السنين في إدارة البيت.

وأنت كذلك أيتها الفتاة لا تقارني زوجك بأبيك في إنفاقه على البيت، أبوك له من العمر 60 سنة وما يملكه من المال في الغالب أكثر مما يملكه زوجك، فلا تطلبي من زوجك أن ينفق عليك كما ينفق أبوك على بيته لأن أباك قبل 30 سنة كان راتبه ومدخوله مشابهاً لمدخول زوجك الآن، أما الآن فقد تحسن وضعه، وزوجك بعد ثلاثين سنة سينفق عليك كما ينفق والدك.

أما الآن فلا تقارني بين بيت زوجك وبيت أبيك.

وهنا لا بد أن نشير إلى خمس نقاط مهمة :

النقطة الأولى: الزوج في الشرع والقانون مسئولٌ عن الإنفاق، والزوجان مسئولان عن حسن التدبير.لكن المسئولية الشرعية في نفقة البيت تقع عليك أيها الشاب، ولئن أنفقت زوجتك شيئاً من المال في البيت، فهي تنفقه على سبيل الهدية، ولها ألا تنفق شيئاً في البيت، ولا يليق بمكانتك ورجولتك وشهامتك أن تجبر زوجتك على الإنفاق على بيتك.

إنها إن فعلت ذلك طواعية منها فذلك كرمُ خلقٍ منها.

قال الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ  [النساء:34] .

إن الله تعالى جعل لك أيها الشاب القوامة على زوجتك لسببين:

      السبب الأول: الإنفاق

      السبب الثاني: أنه خصك بصفات تصلح للقوامة.

وقال الله تعالى : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً  [الطلاق:7]

إذا كنت غنياً فلتنفق من سعتك، وإن كنت فقيراً فأنفق مما عندك، والله لا يكلفك إلا طاقتك، لكن في الحالتين النفقة عليك أيها الشاب.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان حقوق الزوجات على الأزواج:

«وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [مسلم]

يجب عليك شرعا أن تنفق على زوجتك في كل ما تتطلبه شئون الحياة من مسكن ومأكل وكساء بالمعروف.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 «حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» [الترمذي]

إذا أنت المسئول عن النفقة

النقطة الثانية: الزوج مأجورٌ على الإنفاق؛ سيحصل أجراً في الآخرة.

أيها الشباب:

إن الأزواج في الغرب إذا ذهبوا إلى أحد المطاعم وطلبوا فاتورة الطعام، كلٌ منهما يحاسب عن الطعام الذي أكله بمفرده، ولا يتدخل بطعام زوجته.

أما في الإسلام: فأنا أنفقُ على زوجتي، وأنفق على أولادي، لقاء أني مأجورٌ على هذه النفقة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

  "أَفْضَلُ دِينارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينارٌ يُنْفِقُهُ علَى عِيالِهِ، ودِينارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ علَى دابَّتِهِ في سَبيلِ اللهِ، ودِينارٌ يُنْفِقُهُ علَى أصْحابِهِ في سَبيلِ اللَّهِ. قالَ أبو قِلابَةَ: وبَدَأَ بالعِيالِ، ثُمَّ قالَ أبو قِلابَةَ: وأَيُّ رَجُلٍ أعْظَمُ أجْرًا مِن رَجُلٍ يُنْفِقُ علَى عِيالٍ صِغارٍ، يُعِفُّهُمْ، أوْ يَنْفَعُهُمُ اللَّهُ به، ويُغْنِيهِمْ؟!" مسلم

 

الزوجان مأجوران

فالرجل مأجورٌ على نفقته،  والمرأة مأجورةٌ على التوفير والتدبير، فأنت أيضا أيتها الفتاة مأجورة كلما وفّرت في بيتك النفقات على زوجك، كلما أحسنت تدبير المال في البيت، كلما حافظت على النعمة داخل بيتك، كلما أعددت طهيَ طعامك، كلما حافظت على الخبز.

أنت مأجورة كلما أحسنت تدبير مال زوجك في البيت وخففت عنه من النفقات

   النقطة الثالثة: الإسراف ممقوت، والبخل مذموم، والشرع هو ما بينهما .

لا يحسن بالزوج أن يسرف في نفقة البيت، ولا يجملُ به أن يبخل على أهل بيته، والشرع هو وسط بين الإسراف والبخل.

قال تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً البقرة:143

وقال  : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ الإسراء:29

أي أن لا تكن بخيلا شحيحا.

ولا يصح أن يذهب الرجل هو في شأنه فينفق ما شاء، وإذا أنفق على أولاده جاء لهم بأسوأ المواد وأضعفها، أولاده يعيشون الشدة، وهو يعيش في بهجة، زوجته تعيش في ضيق، وهو في بحبوحة.

" خلق اللهُ جنةَ عدنٍ بيدِه ودلى فيها ثمارَها وشقَّ فيها أنهارَها ثم نظر إليها فقال لها: تكلمي فقالت: قد أفلحَ المؤمنون فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيلٌ" المحدث: الدمياطي

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«السخي قريب منَ اللهِ، قريب من الناس، قريب من الجنة بعيد من النار، وإن البخيل بعيد منَ اللهِ، بعيد من الناس، بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل» [الترمذي]

من أسوأ عادات الرجال البخل، الرجل البخيلُ غير محبوب لا في بيته ولا خارج بيته، أهله ينفرون منه

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةًإِلَى عُنُقِكَ  وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراًالإسراء:29 وقال تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً الفرقان:67

وقال تعالى: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الأعراف:31

فالإسراف مذموم، والبخل ممقوت، والشرع وسط  بينهما في النفقة.

النقطة الرابعة: المحافظة على قليل النعمة كما نحافظ على كثيرها. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «(دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى كسرة ملقاة فأخذها فمسحها ثم أكلها وقال: يا عائشة اكرمي كريمك فإنها ما نفرت عن قوم فعادت إليهم). رواه ابن ماجه»

أيها الشباب هذه العادة موجودة عندنا، فنحن إذا رأينا كسرة خبز في الطريق رفعناها، ولكن عندما تعود المرأة إلى البيت، تلقي ببقايا الطعام في القمامة، وتترك أضواء المنزل كلها منارة، وتجلس لتتكلم على الهاتف بالساعات، وتلقي الطعام القديم في القمامة، فيا ليتنا تركنا كسرة الخبز وحافظنا على النعم التي في المنزل، والأفضل أن نرفع كسرة الخبز ونوفر في منزلنا.

إننا نرى ربة منزل تطبخ، أحياناً، طعاماً يكفي لقبيلة، ولا يوجد في المنزل غير 5 أشخاص، يأكلون منه في اليوم الأول والثاني ثم في اليوم الثالث يكون مصيره سلة القمامة.

مطلوب في ميزانية الأسرة المحافظة على قليل النعمة كما نحافظ على كثيرها.

مثلاً: قطعة الثياب التي صغرت على ابنك يجب ألا ترمي بها بل احتفظي بها لابنك الصغير، وما المانع أن يلبسها؟.

لذلك أنتن أيتها النساء مطلوب منكن أن تبذلن جهدا، تماما كما يبذله الرجل خارج البيت

فأنتن تحافظن على النعم، وتحسنّ إلى أزواجكن وأولادكن من خلال حسن التدبير.

النقطة الخامسة: التنفير من الاستدانة

إياك أن تتعود يا بنيّ على الدَّيْن وأنت أيتها الأبنة الكريمة إياك أن تدفعي زوجك للدَّين، ومن جملة الدَّين في هذه الأيام الشراء بالتقسيط، لأن شراء السلع بالتقسيط هو دَّين.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ» [مسلم] وكذلك حقوق العباد. عن جابر بن عبد الله قال:"- كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ لا يصلي على رجلٍ مات وعليه دَينٌ، فأُتِيَ بميتٍ فقال: أعليه دينٌ؟ قالوا: نعم، دينارانِ، فقال: صلوا على صاحبِكم، قال أبو قتادةَ الأنصاريِّ: هما علَيَّ يا رسولَ اللهِ! فصلَّى عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ، فلما فتح اللهُ على رسولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ قال: أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه، فمَن ترك دينًا فعليَّ قضاؤُه، ومن ترك مالًا فلوَرثتِه" أخرجه أبو داوود.

إن االدّيْن همٌ في الليل، ذلٌ في النهار؛ ففي الليل تهتم كيف ستوفي العباد حقوقهم، وفي النهار تستحي من لقاء المطالبين بديونهم.

إذاً لا تتعود الدَّين يا بنيّ، ما لم تكن هناك ضرورة قصوى ....

وأنت يا ابنتي: وطّني نفسك على أن يكون مصروف البيت في مستوى مدخول زوجك.

عن محمد بن جحش قال: "كنَّا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرَفَعَ رأسَه إلى السماءِ، ثم وضَعَ راحتَه على جبهتِه، ثم قال: سبحان اللهِ! ماذا نزَلَ مِن التَشْدِيدِ؟ فسَكَتْنَا، وفَزِعْنَا، فلما كان مِن الغدِ سأَلْتُه: يا رسولَ اللهِ، ما هذا التشديدُ الذي نزَلَ؟ فقال: والذي نفسي بيدِه، لو أن رجلًا قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ثم أُحْيِىَ، ثم قُتِلَ، ثم أُحْيِىَ، ثم قُتِلَ، وعليه دَيْنٌ، ما دخَلَ الجنةَ حتى يُقْضَى عنه دَيْنُه." صحيح النسائي