في لحظة سياسية شديدة الحساسية، أعادت السلطة الفلسطينية إشعال جدل وطني واسع عقب قرارها إعادة تصنيف مخصصات عائلات الشهداء والأسرى وتحويلها إلى "إعانات اجتماعية"، في خطوة يروّج أصحابها لرهاناتٍ ثبت بطلانها في السابق، خاصة فيما يتعلق بتخفيف الضغوط الدولية والمالية، وفتح مسارات دعم كانت مغلقة منذ سنوات.
فضلا عن ذلك يرى مراقبون أنّ مثل هذا الرهان يحوي في طياته مخاطر داخلية جسيمة، أبرزها تعميق فقدان الثقة الشعبية، وتوسيع فجوة متصاعدة بين السلطة وشرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، وعلى رأسها عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، ما ينذر بكلفة سياسية ومجتمعية بعيدة المدى تتجاوز بكثير أي مكاسب مالية محتملة، لا سيما في ظل حساسية هذا الملف وارتباطه المباشر بالوجدان الوطني الفلسطيني.
حقوق الشهداء خط أحمر
وعلى إثر القرار، خرجت اعتصامات شعبية في عدة مدن بالضفة الغربية، رفع خلالها المشاركون شعارات تؤكد أن حقوق الشهداء والأسرى "خط أحمر"، وأن هذه الحقوق ليست قابلة للمساس أو إعادة التصنيف أو التفاوض، باعتبارها جزءًا أصيلًا من الثوابت الوطنية.
ويرى محللون أن هذا القرار لا يمكن تقييمه فقط من زاوية ما قد يوفره من أموال لخزينة السلطة، أو ما قد يفتحه من قنوات دعم دولي مغلقة، بل يجب النظر إليه من زاوية كلفته السياسية والمجتمعية بعيدة المدى، خاصة على شعب يعيش تحت احتلال طويل الأمد، ويستند في صموده إلى رموزه الوطنية وتضحياته المستمرة.
فبالنسبة لعائلات الشهداء والأسرى، لم يكن الراتب مجرد بند مالي في موازنة السلطة، بل شكّل اعترافًا رسميًا بأن تضحيات أبنائهم لم تُنسَ، وأن من قدّموا أعمارهم أو حريتهم في سبيل فلسطين لم يُتركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم.
شهادة حسن سير وسلوك
في المقابل، يرى المختص في الشأن السياسي محمد أبو قمر أن قرارات قطع رواتب الشهداء والأسرى ليست جديدة، موضحًا أن السلطة تسير في هذا المسار منذ أكثر من عشر سنوات، بما في ذلك عدم إدراج شهداء عدوان عام 2014 ضمن قوائم المستفيدين من الرواتب.
وقال أبو قمر في تصريح صحفي إن السلطة تحاول من خلال هذه السياسات تقديم ما وصفه بـ"شهادة حسن سير وسلوك" للاحتلال الصهيوني، في إطار الاستجابة للضغوط السياسية والمالية، وللتأكيد على عدم دعم ما تسميه بعض الأطراف الدولية "الإرهاب" عبر دفع رواتب للأسرى وعائلات الشهداء.
وأضاف أن هذه السياسات تهدف إلى فصل قضية الشهداء والأسرى عن بعدها الوطني، وتحويلها إلى ملف اجتماعي بحت، الأمر الذي قد يدفع كثيرًا من الفلسطينيين إلى إعادة النظر في مواقفهم، في ظل غياب الضمانات الاجتماعية والرعاية لعائلاتهم في حال تعرضهم للاعتقال أو الاستشهاد.
وأكد أبو قمر أن السلطة تمارس ما وصفه بـ"كيّ الوعي" للشعب الفلسطيني، بما يضمن راحة الاحتلال، مشيرًا إلى أن القرارات الأخيرة التي أكد عليها رئيس السلطة محمود عباس، والمتعلقة بتجفيف ما أسماه "منابع دعم المقاومة"، تشكل خطرًا حقيقيًا على النسيج الوطني الفلسطيني.
وأشار إلى أن خطورة هذه الإجراءات تتضاعف بفعل تأطيرها ضمن قوانين رسمية، ما يجعل التراجع عنها أمرًا بالغ الصعوبة دون قرار وطني جامع وجهد شعبي واسع، خاصة أنها تمس شريحة كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني.
ولفت إلى أن هذا التحول يفتح الباب أمام تآكل تدريجي في مكانة الرموز الوطنية، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة ومجتمعها على أساس المنفعة السياسية، لا الشراكة النضالية التي قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية.
استهداف التضحية
من جهته، قال الناطق باسم الجرحى مراد شمروخ إن قرار قطع رواتب الشهداء والأسرى لا يُنظر إليه من قبل الجرحى كإجراء مالي فحسب، بل كاستهداف مباشر لمعنى التضحية الوطنية ومكانتها في الوعي الجمعي الفلسطيني.
وأكد شمروخ أن هذه الرواتب تمثل حقًا وطنيًا وأخلاقيًا لعائلات قدّمت أبناءها ودماءها وأجسادها دفاعًا عن فلسطين، وليست منّة أي جهة، مشددًا على أن المساس بها يوجّه رسالة قاسية للجرحى الذين يعاني كثير منهم من إعاقات دائمة وأوضاع صحية ونفسية صعبة.
وأضاف أن تحويل تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى إلى عبء مالي قابل للحذف أو المساومة، يضرب جوهر الرواية الوطنية الفلسطينية، ويزرع شعورًا عميقًا بالخذلان لدى آلاف العائلات التي كانت ترى في السلطة حامية لتضحيات أبنائها لا طرفًا في التراجع عنها.
وحذّر شمروخ من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين السلطة وشعبها، داعيًا إلى تحرك وطني شامل يعيد الاعتبار لحقوق الشهداء والأسرى والجرحى، ويؤكد أن الوفاء للتضحيات هو الأساس الحقيقي لأي مشروع وطني، لا ورقة تفاوضية قابلة للمقايضة.
سقوط وطني وأخلاقي
وفي السياق ذاته، كانت فصائل المقاومة الفلسطينية، أصدرت بيانًا مشتركًا، وصفت فيه القرار بأنه "سقوط وطني وأخلاقي"، محذرة من تداعياته الخطيرة على وحدة الصف الفلسطيني، وعلى ما تبقى من حالة الإجماع الوطني في ظل واقع سياسي داخلي بالغ التعقيد.
وأكدت الفصائل في بيانها أن قرار السلطة قطع رواتب الشهداء والأسرى يمثل سياسة خطيرة تعمّق الانقسام الداخلي، وتشكل استجابة فاضحة للإملاءات الخارجية، وخضوعًا واضحًا لسياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي تسعى منذ سنوات إلى تجريم النضال الفلسطيني وتجفيف روافده السياسية والاجتماعية.
واعتبر البيان أن هذا القرار يستدعي تحركًا وطنيًا وشعبيًا عاجلًا، لحماية عائلات الشهداء والأسرى من تغوّل بعض المسؤولين في السلطة على حقوقهم المشروعة، محذرًا من أن الصمت تجاه هذه الخطوة قد يفتح الباب أمام إجراءات أخطر تمس جوهر القضية الفلسطينية.
ويبقى جوهر القضية برمّتها يتمحور حول العلاقة بين السلطة وشعبها، ويعيد طرح معادلة الوفاء للتضحيات في مواجهة حسابات السياسة والضغوط الخارجية، في لحظة مفصلية لا تحتمل مزيدًا من التآكل في الثقة أو الرمزية الوطنية.