{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

هناك آياتٌ تمرّ على القلب فترفعه من الأرض إلى السماء، وتحوّل الخوف إلى قوة، والاضطراب إلى ثبات، والقلق إلى يقين. ومن أعظم هذه الآيات تلك التي نزلت في لحظةٍ شديدة على المؤمنين، لحظة تراكم فيها الرعب والتهديد، لكنّ قلوبهم لم ترتجف… بل ازدادت رسوخًا.

إنها الآية التي تُعلّمنا أن الإيمان الحقيقي يَظهر عندما تتكاثر الأصوات التي تزرع الخوف، وحين تشتد الظروف، وحين تبدو الهزيمة أقرب من النصر.

في تلك اللحظة تحديدًا… تنطق الروح: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

أولًا: مشهد الخوف… ورسوخ الإيمان

نزلت هذه الآية في سياق معركة أُحد، حين جاء المنافقون والمثبّطون ليقولوا للمؤمنين:

"إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم"

أي إن أعداءكم قد تكاثروا واجتمعوا، وإنهم قادمون ليستأصلوكم، فخافوا، تراجعوا، انكفئوا.

فلم يكن هذا مجرد خبر…بل كان محاولة لزرع الرعب في القلوب، ودفع النفوس إلى التخلّي، وإطفاء نور الثبات.

لكنّ أهل الإيمان لم يستسلموا.

 فلم تتراجع أرواحهم.

ولم ترتجف قلوبهم.

بل حدث العجيب الذي تسجّله الآية بكل جمال:

فَزَادَهُمْ إِيمَانًا

كأن الخوف وقودٌ للثقة بالله.

وكأن التهديد يوقظ في القلب إيمانًا كان ساكنًا.

وكأن الرسالة تقول: كلما أخافك الناس… اقتربت من الله أكثر

ثانيًا: كيف يزيد الإيمان عندما يخيفك الناس؟

لأن المؤمن يرى ما وراء الأسباب:

يرى قدرة الله فوق قوة الأعداء، ويرى حكمته فوق خطط البشر، ويرى رحمته فوق قسوة الواقع.

ولأن القلب المؤمن يملك سرًّا لا يملكه غيره:

أنه لا يقف وحيدًا مهما اشتدّت المواجهة.

إنه يرى بنور آخر:

نور يقول له

من وكّلتَ أمره لا يُهزم،

ومن أسندتَ ظهرك إليه لا يسقطك،

ومن لجأتَ إليه لا يخذلك.

ثالثًا: "حسبنا الله ونعم الوكيل" – إعلان الانتصار قبل وقوعه

هذه الجملة ليست شعارًا يُقال… إنها عقيدة يحيى بها المؤمن

هي إعلان داخلي أنك لا تعتمد على حولك وقوتك، ولا على عدد ولا عُدة، وإنما تعتمد على ربٍّ إذا أراد شيئًا هيّأ له أسبابه، وإن منع الأسباب خلقها من العدم.

"حسبنا الله": يكفينا الله عن كل شيء.

"ونعم الوكيل": وأفضل من نفوّض له أمورنا، ظاهرةً وباطنة.

هذه الجملة قالها إبراهيم عليه السلام فصارت النار بردًا وسلامًا.

وقالها النبي صلى الله عليه وسلم فصارت الهزيمة نصرًا، والتهديد يقينًا، والخوف ثباتًا.

رابعًا: رسائل تربوية من الآية

1. لا تجعل خوف الناس يغلبك… اجعل يقينك بالله يغلب خوفك.

هناك من يعيش عبدًا لكلمة: "انتبه… سيؤذونك".

وهناك من يسمع الكلمة نفسها، فيزداد إيمانًا وقوة.

2. الإيمان لا يختبر في المساجد فقط، إنما يُختبر في ساحات الخوف.

3. المثبّطون موجودون في كل زمان.

سيقولون لك: لن تنجح، لن تستطيع، المستقبل مخيف، الطريق صعب.

لكن أهل الإيمان يسمعون التهويل… فيزدادون ثباتًا.

4. التفويض لله قوة، وليس انسحابًا من الحياة.

القلب يفوّض، لكن الجسد يعمل، ويخطط، ويحاول، ويجتهد.

خامسًا: كيف نعيش الآية اليوم؟

عندما تخوّفك الأخبار… قل: حسبنا الله ونعم الوكيل.

عندما تتعقّد المشاريع… قلها بقلبٍ واعٍ.

عندما يخذلك الناس… اجعلها سندك.

عندما يشتد المرض، أو تكثر الديون، أو يضيق الأفق… ردّدها بثقة.

كل خوفٍ يُدفع بالتوكل.

وكل تهديدٍ يُكسر بالتسليم.

وكل طريقٍ يُفتح حين تقول بصدق:

يا رب، أنت حسبي ونعم الوكيل.

رسالة للقلب الذي يبحث عن السكينة

إن هذه الآية ليست قصةً تاريخية… إنها دواءٌ يومي.

رسالة تقول لك:

حتى لو اجتمع الناس عليك، ما دام الله معك فلن يقدر عليك أحد.

ليس المهم كم هم الأعداء

المهم من هو وكيلك.

وإذا كان وكيلك هو الله

فأبشر. فالنصر قد بدأ قبل أن يصل

  حسبنا الله ونعم الوكيل