- الهدايا تبدأ من الوردة وتمر بالسجاد والأدوات الكهربائية وتنتهي بالذهب
- الآباء يطالبون بمساواتهم بالأمهات وتحويل عيدهم إلى يوم الأسرة
تحقيق- نسيبة حسين
تحتفل معظم دول العالم اليوم بعيد الأم، إلا أن هذه المناسبة لها طابعٌ خاصٌّ لدى الشعب المصري الذي يَعتبره أحدَ الأعياد المهمة لديه، بل إن الأمهات في مصر لا يحتفلْن بيوم ميلادهن الخاصّ بقدر ما يحتفلن بهذا العيد، ولعلَّ أهم ما يميِّز هذه المناسبة عن غيرها هي الطقوس التي نحتفل بها، ففي الصباح وداخل المدارس تقام الحفلات وتَستقبل المدرِّسات الهدايا من تلاميذهن، وفي المساء يتحوَّل بيت العائلة لمزارٍ لكل الأسرة، والكل يحمل الهدايا للأم أو الجدة، والتي تبدأ من وردة، وقد تنتهي بما يشبه جهاز العروسة، إلا أن الذهب ما زال يحتل المرتبة الأولى في نوعية الهدايا.
والعائلات المصرية تستعد لهذه المناسبة بشكل خاص، فمنهم من يقوم بعمل سُلفة لشراء الهدايا، ومنهم مَن "يدخل في جمعية" لنفس الغرض، وفي كثيرٍ من الأحيان تفضِّل الأمهات الهدايا التي تضيف لبيتها مثل الأدوات الكهربائية أو الستائر والسجاد، وكلٌّ حسب طاقته، وهناك نوعٌ آخر من الهدايا التي تقدَّم للحموات، سواءٌ من الأزوج أو الزوجات للطرف الآخر، وغالبًا ما تختلف هذه الهدية في فترة الخطوبة عما بعدها.
كما يحرص الأزواج الذين لم يرزقوا بالأبناء على تقديم الهدايا لزوجاتهم من باب تطييب خواطرهن وإدخال السرور والسعادة عليهن.
ورغم أن الأعوام الماضية شهدت تراجعًا في كيفية الاحتفال ونوعية الهدايا تأثُّرًا بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.. إلا أن الاحتفال بعيد الأم ما زال له طابعٌ خاصٌّ داخل مصر.
حول هدايا عيد الأم تقول فاطمة محمد (كلية الهندسة): إن الهدايا هذه الأيام ارتفعت أسعارها بالمقارنة بالماضي، إما لطبيعة الهدية المرتبطة بغلاء الأسعار، أو اختلافها وتطوُّرها وأيضًا اختلاف الأم عما سبق، ففي الماضي كانت أغلب الأمهات غير المتعلمات يكتفين بالهدية المعنوية أكثر من قيمة الهدية نفسها.
وهو ما تتفق معها فيه أيضًا سمية علي (بكلية الآداب) والتي قالت إنها تحمل كل عام همَّ هدية عيد الأم وما ستشتريه لأمها، والذي يجب أن يكون أقرب لما يشتريه إخوتي وأخواتي، وأيضًا لا بد أن تكون هديتي كل عيد أفضل من الذي يسبقه، وطبعًا لكي أتمكن من شراء ما أريد أبدأ في التجميع (التحويش له) مبكرًا، وكم تمنيت أن تكون الهدية شيئًا بسيطًا أو حتى كلمة حتى لا أُضطَّر للمعاناة المالية قبلها بفترة، ولكن كله يهون علشان "ست الحبايب".
وتخالفهم في الرأي سارة محمد (كلية التجارة): في منزلنا يكفي البسيط من الهدايا التي يعبر عن المعنى وليس عن مستوى الهدية، وترجع ذلك إلى الطبيعة التي تمَّت تربيتهم عليها؛ حيث تحرص والدتها على أن تجتمع كلُّ الأسرة في هذه المناسبة؛ ولذلك فإن الهدايا شيءٌ رمزيٌّ في عيد الأم بل وفي أي مناسبة أخرى.
المجتمع يفرض علينا الشراء
في المقابل يقول المهندس سعيد أحمد: إنه لم يكن يقدم لوالدته هديةً في هذه المناسبة لأنه يراها بدعة.. إلا أنه أحسَّ بحزن والدته وحزنها خاصةً أنها تعمل في حقل التعليم، وطبعًا تذهب إلى عملها وتتحدث زميلاتُها أمامها بما أهدى إليهن أبناؤهن أو بناتُهن، فقرَّرْتُ أن أهديَها هديةً رمزيةً كل عام، وأعطيَها لها قبل عيد الأم بيوم ابتعادًا عن البدعة.
وهو ما فعلته أيضًا عُلا إبراهيم (ربة منزل)، والتي تقول إنها حاولت عدةَ مراتٍ ألا تشتريَ هديةً لأمها في عيد الأم، ورغم حرصها على تقديم الهدايا لأمها طوال العام إلا أنها شعرت بحزن والدتها التي شعرت وكأنني "مستخسرة الهدية" أو أن زوجي هو السبب، فأرحْتُ نفسي، وأصبحت أشتري لأمي وحماتي لـ"أرتاح من هذه المشكلة".
أما سيف أحمد (وهو متزوِّج حديثًا) فيقول كنت كل عام أشتري هدية واحدة، أما هذا العام فقد اشتريت هديتَين واحدة لوالدته والثانية لحماته، وكان ينوي شراء هدية ثالثة لزوجته، إلا أن الميزانية لا تسمح بذلك.
ويضيف أنه اعتاد كل عام أن يشتري لوالدته شيئًا تحتاجه في بيتها كأحد الأدوات الكهربائية أو المنزلية أو ستائر ومفروشات وكذلك السجاد، سواءٌ بمفرده في حالة توافر ميزانية كافية، أو من خلال الاشتراك مع أشقائه في حالة الهدايا المكلَّفة، ويضيف أن والدته كانت في بعض الأحيان عندما كان في الدراسة هو وإخوته تساهم معهم في تكاليف الهدية لو كانت باهظة الثمن.
وعن حماته يقول سيف: إن زوجته أرادت أن تقوم هي بالشراء إلا أنه أصرَّ أن يشتري الهديتَين لوالدته وحماته، وأن تقدم باسمهما معًا؛ باعتبار أنهما أصبحا كيانًا واحدًا.
هدايا الغربة
ولأهمية المناسبة تحرص أميرة سعيد (وهي طالبة كويتية تدرس بكلية الإعلام جامعة القاهرة) على عدم تفويت هذه الفرصة، وتقول: إن بُعدها عن أهلها دفَعَها للبحث عن طريقة للاحتفال مع أمها وأسرتها بهذه المناسبة، ووجدت أن أفضل حلٍّ هو الاتفاق مع إخوتها أن يجتمعوا في وقتٍ واحدٍ لتتَّصل بهم جميعًا للاحتفال معهم بهذه المناسبة، وهو ما تعتبره والدتها أفضلَ هدية لها.
بينما تفعل نريمان علي (بكلية طب القصر العيني) أمرًا آخر؛ حيث ترسل إلى أختها مبلغًا معيَّنًا لتشتري هديةَ أمها وتشاركهم الاحتفال من خلال التحدث على الإنترنت.
وهو نفس ما يفعله عصام محمد (مهندس مصري يعمل بالسعودية)، وهو حريصٌ على شراء هدية والدته من مكان عمله وإرسالها لها قبل عيد الأم حتي تعرف أنه لا ينساها، وعندما يفشل في ذلك يقوم بإرسال مبلغ من المال لشراء هدية بعينها دون أن تعرف الأم لتفاجأ بها يوم 21 مارس.
يوم الأسرة

وتخالف صباح سعيد (ربة منزل) عرف هذه المناسبة؛ حيث تقوم مع أشقائها بشراء هدية لوالدهم أيضًا في هذه المناسبة, وقد أرجعت صباح ذلك إلى أن والدتهم هي التي ربَّتهم على ذلك منذ كانوا صغارًا، ولعل ذلك دفع عبد الله سعيد (موظف وأب) إلى أن يتساءل: أين حق الأب؟ وهل الأب لا يتعب من أجل أبنائه؟ ولماذا هناك دائمًا يومٌ للأم وليس للوالدين عمومًا؟!
وهو ما دعا إليه أيضًا عم محمد سيد بأن يتحوَّل هذا اليوم إلى يوم للأسرة وليس للأم فقط؛ لأنه هو الذي قام بتربية أبنائه بعد وفاة زوجته، ويقول: ما ذنب من تُوفيت أمهاتُهم؟ وما ذنبُ الأيتام أو من لم تُنجب بأن يتألَّموا في هذا اليوم؟!
وهو ما أكدته مروة محمد التي تقول إنها لا تجني من عيد الأم كل عام إلا الألَم والحزن بعد أن تُوفيت والدتها.
موسم
ولأنه موسم الهدايا فقد التقينا بالحاج أحمد سالم- صاحب محل لبيع الملابس- والذي قال لنا إنه منذ بداية عمله في هذا المجال منذ سنواتٍ طويلةٍ لا يجد مناسبةً للبيع مثل عيد الأم، والتي كان يبدأ الاستعداد لها في الماضي قبل هذه المناسبة بأيام وأسابيع، أما الآن فالاستعداد يكون قبلها بيوم أو يومين؛ نظرًا لقلة الإقبال.
ويختلف معه الحاج أحمد محمد- صاحب محل لبيع أدوات منزلية- حيث يرى أن الإقبال على الشراء زادَ كثيرًا عما سبق، والهدايا اختلفت، وتطوَّرت كثيرًا عن السابق، وأصبح التنافس متواجدًا بشدة، حتى بين أبناء العائلة الواحدة؛ مما أدى إلى زيادة الشراء في هذه المناسبة.
قيمة مهمة
وتعلِّق الدكتورة سوسن عثمان- رئيس مجلس إدارة جمعية تدعيم الأسرة- أنه رغم هبوط المستوى المادي للأُسَر إلا أن الهدايا ارتفعت إلى أشياء كبيرة ومبالغة، وذلك يرجع إلى التقليد في كل شيء، وأيضًا إلى التعويض عن التقصير في العلاقات، فمع انشغال كل فرد في عمله وحياته فإنه يحاول تعويض الأم، خاصةً أنه مع كبر الأم في العمر وتزوُّج الأبناء والبنات ووحدتها في المنزل يحاول الأبناء تعويضَها في عيد الأم عن هذا الغياب بالهدايا المبالغ فيها.
وتؤكد على أنه لا بد من تأكيد أن عيد الأم وتكريمها وبرّها ليس يومًا واحدًا في السنة، ولكنه كل يوم، وكل وقت، ولا بد أن ينتبه الأبناءُ إلى أنه مع كبر الأم يزدادُ احتياجها لأبنائها وليس العكس.