بقلم دكتور إسماعيل علي
الأستاذ بجامعة الأزهر
بين الحين والآخَر تتعالى بعضُ الأصواتِ الداعيةِ إلى أن يجتنب أصحابُ المشروعِ الإسلاميِّ والمنتمون للحركة الإسلاميةِ -والإخوان المسلمون خاصةـ العملَ السياسيّ، ويبتعدوا عن المشاركة في مجالاته، ويقتصروا على القيام بالدعوة فقط، وأنه إذا ابتعد الإسلاميون عن السياسة واجتنبوها؛ فسوف يتمكنون من العمل الدعويّ بلا تعويق ولا إزعاج من أحد ..
وهذا كلام قد يبدو في ظاهره علاجًا نافعًا لحالة الانسداد التي نراها في علاقة كثير من الأنظمة مع الإسلاميين ..
ولنا وقفة مع هذه الدعوة، على النحو الآتي:
بداية: لا أظن أنّ ثَمّ خلافًا حولَ مبدأِ بل ضرورةِ المراجعاتِ النزيهةِ المحايدةِ لمسيرة الحركة الإسلامية، ودراسة وتقييم أدائها، بغرض التقويم وضبط المسار.
أما تلك الدعوة إلى إلغاء الجانبِ السياسيِّ من برنامج أصحابَ المشروعِ الإسلاميِّ كافة؛ فهذا أمرٌ لا يستقيم شرعًا ولا عقلًا، مِن وجوهٍ كثيرة، منها:
أولا: أن هذا مخالفٌ لمنهج الأنبياء، ويتعارض مع شرع الله الذي جاء لإصلاح الدنيا بالدين، وتنظيمِ أمورِ الناسِ المعاشيةِ والمعادية، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر في شتى المجالات.
ثانيًا: إخلاء الميدان السياسيِّ من أي توجه إسلاميّ، إنما هو تعطيل لسنة ربانية هي سنة التدافع، وهو كذلك تمكين للمشروعات المضادة لشرع الله تعالى، والتي يَجْمعها - على اختلافها - كُرهُ الإسلام، ومحاربةُ كلِّ ما يمت إلى الدين الحنيف بصلة، حتى ولو كان من قبيل الأمور الروحية المحضة.
ثالثًا: تجارب التاريخ، والواقع المعاصر تشهد بأن خصوم الإسلام - على اختلاف طوائفهم - لا تتوقف مطالبهم بالتنازل عند حد معين، وأنهم كلما تحقق لهم تنازل من جهة الإسلاميين استدرجوهم - أو جَرُّوهم - إلى تنازل آخر، وصدق ربنا {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [سورة البقرة: 120].
رابعًا: أليس من الظلم والإجحاف أن يُسمح لأهل كلِّ دينٍ أو مذهبٍ على وجه الأرض بالاشتغال بالسياسة، والخوضِ في غمارها، والتنافسِ للتمكن من آلياتها، بل إنشاء وقيادة دول وَفق مشروعاتهم، دون نكير (مثل الكيان الصهيوني، وإيران الشيعية)؛ ثم يُحظَر هذا على أصحاب المشروع الإسلاميّ السُّنّيِّ وحْدَهم؟!!
ما هذا الإجحاف؟! هل ذنب أصحاب المشروعِ الإسلاميِّ أنهم ينطلقون من الإسلام؟! إن هذا ليس ذنبًا، بل فضيلة وتزكية لهم، ومن حقهم المشروع أن يُحترَم اختيارُهم.
خامسًا: القول بأن هذه الدعوةَ مِن شأنها أنْ تُجَنِّب أصحابَ المشروعِ الإسلاميّ البطشَ والأذى، والصدام مع بعض الأنظمة، إنما هو قولٌ باطل يكذبه الواقع؛ حيث إن مشكلة كثيرٍ من تلك الأنظمة التي تَضطهِد الإسلاميين إنما هي مع الإسلام نفسه، فهي كارهة لكل توجهٍ أو تيارٍ يتبنّى العملَ للإسلام، وإن كان ممن يجتنبون السياسة كاجتناب الرجسِ من الأوثان ..
والدليل على هذا ما قامت به الحكومةُ الموريتانيةُ (عامَ 2018م) مِن إغلاقٍ لمركز تكوين العلماء، الذي كان يقوم عليه الشيخ "الددو"، وسحب الترخيص منه، ثم ما قامت به الحكومة السعودية من شنِّ حربٍ على جماعة التبليغ والدعوة وشَيْطَنَتِها.
مع أن كليهما (تكوين العلماء، والتبليغ) بعيدان تماما عن السياسة، وجماعة التبليغ ـ خاصة ـ تجتنب السياسةَ كاجتناب الرجسِ مِن الأوثان، أضف إلى هذا ما يتعرض له كثير مِن الدعاة والعلماءِ والجمعيات الدعوية في بلادٍ شتى، مِن السجن والاضطهاد؛ مع أنهم لا ينتمون إلى جماعات أو أحزاب سياسية، ولا يتدخلون في أمور سياسية، ولا يسلكون سبيل المعارضة السياسية.
سادسًا: مِن الخطأ العلميِّ المنهجيِّ تعميمُ الحكمِ على أصحاب المشروعِ الإسلاميِّ السنّيّ وإلزامُهم جميعا بفتوى واحدةٍ استنادًا إلى تجربةِ فصيلٍ منه في مكانٍ أو بلدٍ ما؛ فلا شك أنّ لكلّ بلدٍ ظروفَه وأحوالَه التي تختلف عن غيره، والأَولى مِن إصدار أحكامٍ عامةٍ خاطئةٍ الدعوةُ إلى استفراغ الوسعِ وبذلِ الجهدِ في معرفة أخطاء بعض التجارِب، ودراسةِ الأسباب، والعمل على الوصول إلى العلاج، وليس الدعوةَ إلى هدم البنيان، ومعلوم - لا سيما في عالم السياسة - أنه لا تخلو تجربةٌ مِن أخطاء، وخاصة إذا كانت تجربةً ناشئةً، ومع هذا لا بد من التأكيد على أن ما يُزعَم أنه أخطاء لبعض تجارب الإسلاميين السياسية أكثره مجرد ادعاءات، بل وافتراءات يدحضها الواقع والتاريخ.
سابعًا: إن في هذه الدعوة مخاطرَ عظيمةً، ومفاسدَ كبيرةً لأهل السنة في بلادٍ عديدة، لا سيما البلاد التي تقوى فيها شوكة الشيعة، والشيوعيين والعلمانيين وغيرهم، فلو استجاب أصحاب المشروع الإسلاميّ في تلك البلاد للدعوة إلى اعتزال السياسةِ واجتنابِ الخوضِ فيها، والانسحابِ من ميدانها لكان في هذا تهديدٌ لوجود المسلمين السنة، فضلا عن ضياع مصالحهم الضرورية؛ حيث تخلو الساحةُ لِمن لا يرقبون في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمة، والوقع أظهرُ مِن أن يخفى.
ثامنًا: إن حوادث التاريخ والعقل والمنطق والواقع؛ كل هذا يؤكد على أن غياب أصحابِ المشروعِ الإسلاميِّ السُّنّيّ عن المشاركة في الإصلاح السياسيّ، حيث يقتضي الأمرُ المشاركةَ وَفق الأدوات المشروعة، والإمكانات المتاحة؛ ضررُه أكبرُ من نفعه، حتى لو كانت للمشاركة تبعاتٌ تتمثل في الابتلاءات والتضحيات، فهذا من سنة الله في عباده الصالحين المصلحين، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين} [العنكبوت: 2-3].
تاسعًا: لو افترضنا أن أصحاب المشروعِ الإسلاميِّ اقتصروا على الدعوة إلى الله؛ فإلى أي شيء يدعون؟
هل يدعون إلى كل ما جاء به الإسلام، ومنه ما يتعلق بشؤون الحكم والسياسة؛ أم يدعون فقط إلى ما يتعلق بالجوانب الروحية؟
إن كانت الأولى فإنهم يكونون قد (تدخلوا في السياسة) وساعتها لن ترضى عنهم الأنظمة الحاكمة، ولن يسلموا من الأذى، وإن كانت الثانية فقد حَجَبوا من الإسلام أمورًا شرعها الله تعالى، وأوجب تبليغها لعباده، ويكونون آثمين لكتمانهم ما وَجب شرعًا أن يبيِّنوه للناس، فماذا يقول المطالبون باعتزال السياسة واجتناب الخوض فيها؟!
عاشرًا: إن هذه الدعوة مريبة غريبة عن ديننا، ولا تخدم إلا العلمانيين وأسيادهم من الصhاينة، وكلِّ كارهي الإسلام، وعواقبها سيئة ضارة، ومما يدعو للعجب أن نرى بعض المنتسبين للعلم الشرعيّ والمحسوبين على المشروعِ الإسلاميِّ يتبنى مثل هذه الدعوة الكارثية، ويزينها، وكأنه لم يقرأ يوما أو يدرس السياسة الشرعية، وشمولية الإسلام!!
والله الهادي إلى سواء الصراط.