في بيتٍ متواضعٍ من خيام النزوح على أطراف دير البلح، تجلس رضا عليوه، سيدة ستينية أنهكها الزمن، وبدّل الاحتلال ملامح حياتها حتى تحوّل بيتها إلى دار للأيتام.

 

بين يديها طفلة لا يتجاوز عمرها شهراً واحداً، أصغر حفيدة بين ستة وثلاثين يتيماً تركهم أبناؤها الخمسة الذين استشهدوا خلال العدوان الأخير على غزة.

 

مسئولية هائلة

 

الحياة بالنسبة إليها لم تعد مجرد وجود، بل مسؤولية هائلة، فقدت أبناءها وبناتها واحداً تلو الآخر في خمس عشرة رحلة نزوح، تحت ركام القصف، وفي خيم سقطت فوق أجساد عائلتها، ومع ذلك بقيت واقفة.

تقول بصوتٍ متعب يشبه أنين الركام: "المستشفى.. لقيت زوجي جنبي. سألت عن أولادي واحد واحد، وكل مرة كان يقولون لي: استشهد.. كأنه عقد وانفطر مرةً واحدة”.

إذ استشهد في ذلك القصف: محمد، محمدين، عزات، رشا، ونائلة، وعدد من أحفادها، ولا تملك الحاجة رضا في هذا الموطّن إلا التسليم لقضاء الله رغم الخسارة الفادحة التي مُنيت بها.

 

وبرغم إصاباتها، خرجت الحاجة رضا من المستشفى على مسؤوليتها كي لا يُترك أحفادها بلا سند، نزحت مع الأطفال سيرًا على الأقدام إلى النصيرات وسط قطاع غزة، وباتت ثلاث ليالٍ في العراء.

 

المعاناة مع البرد والنزوح

 

كان الأطفال يعانون من البرد والاستفراغ، حتى أواهم أحد المواطنين داخل قطعة أرض وجلب لهم خيمة، وبعد 10 أيام ومع وقف إطلاق النار، عادت إلى غزة.

 

اليوم، تعيش الحاجة رضا فوق ركام بيتها في الشجاعية داخل خيمة صنعتها من حديد وقطع قماش. استخرجت ما يمكن إنقاذه من فراش مهترئ، ويعيش أحفادها في برد لا يرحم، وفي المنخفض الأخير غرقت الخيمة بالكامل.

 

تقول الحاجة رضا: "أيام المنخفض كانت أسوأ من أيام استشهاد أولادي.. وقفت قدام أحفادي عاجزة، ما قدرت أعمل شيء”.

 

تشير الحاجة رضا إلى أنّ زوجها رجل كبير في السن، ما يزيد عبء المسؤولية عليها لتربية جيل جديد بعد أن فقدت جيلًا كاملًا.

 

قصة رضا وأحفادها ليست حالة فردية؛ فهي جزء من مأساة أوسع تشهدها غزة اليوم، إذ يعيش جيل كامل من الأطفال دون أب أو أم أو كلاهما بعد أن قتلتهم آلة الحرب وشتت شملهم.

 

وتشير تقديرات منظمات دولية إلى ارتفاع عدد الأيتام في القطاع إلى نحو 57 ألف طفل، بعد فقدان أربعين ألفًا منهم أحد والديهم أو كليهما، فيما بقي بعضهم وحيدًا تمامًا، في أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث.

 

قصة رضا وأحفادها تعكس مأساة إنسانية كبيرة، لكنها أيضًا شهادة على الصبر والصمود، رغم الخراب والفقد، تواصل الحاجة رضا حمل رسالتها بصبر يشبه المعجزة، قائلةً وهي تضم حفيدتها إلى صدرها: “طالما هناك طفل يضحك في غزة، فالحياة لم تنتهِ بعد”.

 

في حضن هذه المرأة، بين الركام والدمار، تكمن صورة غزة الحقيقية: صمود لا يلين، وأمل يولد من رحم الفقد، وحياة تستمر رغم كل الخسارات.