https://ikhwanonline.com/article/266140
الجمعة ١٢ شعبان ١٤٤٧ هـ - 30 يناير 2026 م - الساعة 08:10 م
إخوان أونلاين - الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمون
زاد الداعية

حوار بين أهل الجنة وأهل النار

حوار بين أهل الجنة وأهل النار
السبت 8 نوفمبر 2025 09:19 ص
بقلم: د. أحمد عبد الخالق

 

حمدًا لله تعالى، وصلاةً وسلامًا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

 

فإن تأملاتنا في هذه الحلقة، سوف تكون حول ذلكم الحوار، الذي دار بين أهل الجنة وأهل النار، والذي ذكره الله تعالى في سورة الأعراف، هذا الحوار، الذي بين لنا أقدار الناس يوم القيامة، وبين لنا ثواب وجزاء كل واحد من الناس، وبين لنا الفرحة الحقيقية والحزن الحقيقي لكل أحد من هذين الفريقين يوم القيامة عندما يفصل الله بين الخلائق.

 

إن مقاييس الناس في الدنيا تختلف عن مقاييس الناس يوم القيامة، فمقاييس الناس في الدنيا خاضعة لمقاييس الخلق، أما مقاييس الناس يوم القيامة، فخاضعة لمقاييس الخالق، الذي يعلم السر وأخفى، وهذه الآيات التي نحن معها في هذه الحلقة، تبين لنا بكل وضوح مصير صنفين من الناس يوم القيامة:

الصنف الأول: المكذبون بآيات الله، المستكبرون على الانتفاع بها، المتعالون على شرع ربهم، الرافضون النزول على حكم الله تعالى، فأولئك محرومون من دخول الجنة، خالدون في العذاب.. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)﴾ (الأعراف)، ولقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فيقولون: ذلك، حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فيقال: لها ذلك، حتى ينتهي بها إلى السماء، التي فيها الله عز وجل. وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون: ذلك، حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لم يفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر". وقد قال بن جريج في قوله: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم، وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.

 

أما الصنف الثاني: فهم المؤمنون الذين نطقت ألسنتهم بكلمة التوحيد، وصدقت بذلك قلوبهم، وبرهنت جوارحهم على صدقهم في زعمهم الإيمان، فهؤلاء من أهل النعيم الأبدي، جزاء ما قدموا من أعمال صالحة ترضي ربهم ونبيهم وتنفع مجتمعهم وأوطانهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)﴾ (الأعراف)، أي ونزعنا ما في صدورهم من حسد وبغض، كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل، الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة، أدل منه بمسكنه كان في الدنيا".

 

 وقال السدي: في قوله ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ﴾ الآية: إن أهل الجنة، إذا سيقوا إلى الجنة، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدًا.

 

وبين هذين الصنفين: من المنعمين والمعذبين، يدور هذا الحوار، الذي يؤكد على صدق وعد الله تعالى، ويؤكد على أن نوعية العمل في الدنيا، إنما يترتب عليها ثواب، أو عقاب. وهذا يدعونا إلى أن نتخير أحسن الأعمال في الدنيا، حتى نجزى أحسن الثواب يوم القيامة.

 

﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)﴾ (الأعراف)، إن الله تعالى يخبر بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ، إذا استقروا في منازلهم، وذلك على لسان أهل الجنة: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا. أي قالوا: لهم، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا. فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ قالوا: نعم. كما أخبر تعالى في سورة الصافات، عن الذي كان له قرين من الكفار ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)﴾ (الصافات)، أي ينكر عليه مقالته التي كان يقولها في الدنيا، ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال.

 

وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16)﴾ (الطور)، وكذلك قرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر فنادى: "يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، وسمى رؤوسهم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا". وقال عمر: يا رسول الله، تخاطب قومًا قد جيفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا.

 

وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي أعلم معلم ونادى منادٍ ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي أن لعنة الله دائمة ومستقرة عليهم. ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يصدون الناس عن إتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل، لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا، فهم شر الناس أقوالاً وأعمالاً.

 

إن هذا الصنف من البشر، الذي يقف في طريق الإسلام، ليصد الناس عنه، ويحولهم إلى طريق غيره، وذلك من خلال التضييق على العمل الإسلامي، ومحاربة الملتزمين من المسلمين في أرزاقهم ووظائفهم ومدارسهم وجامعاتهم، وفي متاجرهم ومساجدهم، وفي مناهجهم وإعلامهم. إنهم يبغونها عوجًا، أي طريقًا غير مستقيمة، لا يريدون الصراط المستقيم، لكنهم يريدون طريق المغضوب عليهم والضالين.

 

وبين أهل الجنة والنار صنف، لم يفصل في أمره بعد، وذلك لأنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم، ولا يعرف مصيرهم، أهم من أهل الجنة، أم هم من أهل النار؟ ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)﴾ (الأعراف).

قال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير: وهو يحدث ذلك عن بن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة. ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)﴾ (الأعراف)، ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح.

 

قال: ومن استوت حسناته وسيئاته، كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة، نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم، نظروا أهل النار، ﴿قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ تعوذوا بالله من منازلهم، قال فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذٍ نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (التحريم: من الآية 8)، وأما أصحاب الأعراف، فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع، فهنالك يقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فكان الطمع دخولاً. قال: فقال بن مسعود: إن العبد، إذا عمل حسنة، كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة، لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول: هلك من غلبت آحاده عشراته، رواه بن جرير.

 

ويعود الحوار مرة أخرى، لكنه في هذه المرة بين أهل النار وأهل الجنة، وفي صورة يظهر فيها الذل والهوان على أهل النار، فيطلبون من أهل الجنة، ولو شيئًا قليلاً من الماء يطفئون به ظمأهم، والذي أصابهم من شدة ما ذاقوا من حر جهنم، لكن الله تعالى قضى في الأزل وفي كتابه المكنون أنه لا يدخل الجنة كافر، وأنها حرام عليهم. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)﴾ (الأعراف).