دعا الكاتب والمحلل السياسي علاء الريماوي إلى طرح رؤية استراتيجية فلسطينية مكتملة الأركان، بعيدة عن اللون السياسي الواحد، تعالج الترهل الداخلي وتقدّم مشروعًا وطنيًا جامعًا يقبله العالم ويكبح جماح الاحتلال.

 

وقال الريماوي -الذي أفرج عنه حديثًا من سجون الاحتلال- في مقابلة مع المركز الفلسطيني للإعلام: إن المشهد الفلسطيني في غاية التعقيد، ويتطلب فهمًا دقيقًا للتوجهات الأمريكية والصهيونية في المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن مشروع الاحتلال في غزة واسع وخطير وأن الواقع يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى التصعيد أو الانحناءة لإعادة ترتيب الأوراق الفلسطينية.

 

خارطة طريق بثنائية وطنية

 

ودعا الريماوي إلى وضع خارطة طريق فلسطينية جديدة تقوم على مسارين متوازيين: تفعيل أدوات الضغط لتحسين شروط وقف إطلاق النار، بما يشمل الضفة وغزة في إطار تهدئة طويلة الأمد تعيد إحياء الحالة الاجتماعية الفلسطينية، وصياغة مبادرة وطنية جامعة تُشكّل إجماعًا سياسيًا جديدًا وتضع ضابطًا سياسيًا لإدارة المرحلة المقبلة، مشددًا على أهمية المرونة والديناميكية والقدرة على الانتقال السريع نحو مرحلة جديدة من العمل الوطني المشترك.

 

ورأى أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة يواجه تعقيدات عميقة ترتبط بالمطالب الصهيونية والأمريكية المتعلقة بـ سلاح المقاومة، وأنفاقها، والبيئة السياسية التي ستدير القطاع، مقدرًا أن الولايات المتحدة تتماهى بالكامل مع توجهات الاحتلال في هذه الملفات الحساسة.

 

وأوضح الريماوي أن الفصائل الفلسطينية تواجه صعوبة بالغة في تقبل هذه الشروط، خصوصًا وسط الحديث الصهيوني–الأمريكي عن مشهد ديموغرافي وجغرافي مزدوج في غزة، بحيث تكون هناك منطقة تخضع لحكومة فلسطينية جديدة وأخرى عازلة تحت سيطرة الاحتلال المباشرة أو عبر مليشيات متعاونة معها.

 

ووصف الريماوي هذا السيناريو بأنه أحد أصعب الاختبارات التي ستواجه المقاومة الفلسطينية في تاريخها.

 

السلطة مكبّلة بالسقف الأمريكي

 

ورأى الريماوي أن السلطة الفلسطينية لا تمتلك القدرة أو الإرادة لاحتضان المقاومة أو فصائلها، لأنها لا تستطيع تجاوز السقف الأمريكي في أي صيغة سياسية قادمة.

 

وأضاف أن الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال تطلبان من السلطة الإبقاء على موقفها السلبي الذي اتخذته خلال الحرب.

 

ونبه إلى وجود انقسام داخل أروقة السلطة الفلسطينية بين تيار يرى ضرورة اتخاذ مواقف وطنية متقدمة في هذه المرحلة، وآخر مهيمن يرى أن مساحة التعاون مع المقاومة غير ممكنة.

 

وأعرب الريماوي عن تشاؤمه من احتمال التوصل إلى صيغة تفاهم وطنية بين السلطة والفصائل كـ حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، معتبرًا أن الحالة الفلسطينية تشهد أحد أكثر مراحلها تعقيدًا منذ عقود.

 

غزة بعد عامين من الإبادة

 

وقال الريماوي إن غزة شهدت خلال العامين الماضيين واحدة من أقسى مراحل الإبادة والتدمير في التاريخ الفلسطيني الحديث، وإن الحالة الفلسطينية لم تعرف مواجهة بهذا الحجم من قبل.

 

وأضاف أن مقاربة الصمود لدى المقاومة الفلسطينية تحمل ثلاثة أبعاد رئيسية: اجتماعي يعنى بالحياة اليومية في القطاع، سياسي يوازن بين التهدئة والمواجهة، ووطني يسعى إلى تثبيت المبادئ الفلسطينية في وجه محاولات التغول عليها.

 

وأكد أن الحفاظ على هذه المبادئ يتطلب فهمًا عميقًا للدور الأمريكي المقبل، وتمييزًا دقيقًا بين حدود التصعيد والتهدئة، وقدرة على تحمّل أثمان الخيارات السياسية.

 

الضفة تحت السيطرة الاستيطانية الكاملة

 

وفي حديثه عن الضفة الغربية، أكد الريماوي أن اليمين الصهيوني يسيطر تمامًا على قرارات الاستيطان والحكم في الضفة، وأن الإدارة المدنية والمستوطنين باتوا الحاكم الفعلي للمنطقة.

 

وأشار إلى أن الكيانية السياسية الفلسطينية في الضفة تعمل كمسير أعمال تحت ضغط الاحتلال، وتعاني من ضعف الثقة الشعبية والانفصال التام عن مشهد غزة، مما جعل الضفة خاضعة فعليًا لنظام استيطاني متسع.

 

وحذّر من أن البيئة السياسية الفلسطينية الراهنة غير مهيأة للخروج من المأزق الوطني، لكنه شدد على ضرورة العمل المشترك وتقديم تنازلات مدروسة لإحياء المشروع الوطني وحماية البنية الاجتماعية الفلسطينية.

 

واعتبر أن الهدنة الطويلة الأمد قد تشكّل مدخلًا لوقف النزيف في الضفة وغزة معًا.

نتنياهو يسعى لتكريس التقسيم

 

وحول الموقف الصهيوني، أوضح الريماوي أن الاحتلال مقتنع بعدم جدوى العودة للحرب لكنه يسعى لإدامة حالة التقسيم داخل غزة عبر الإبقاء على المناطق الحدودية تحت قبضته وتشكيلات مليشياوية تعمل لصالحه.

 

وأضاف أن الاحتلال يضغط لسحب سلاح المقاومة وتمييع الحالة الفلسطينية، مع استخدام ملف الإعمار كأداة ابتزاز طويلة الأمد لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية.

وبيّن أن الفضاء السياسي الصهيوني الحالي يسمح لنتنياهو بمواصلة التغول في غزة، داعيًا الفصائل الفلسطينية إلى مبادرته بطرح رؤية سياسية مرحلية قائمة على تهدئة تمتد لسنوات.