إليكِ يا من بعثتِ في نفسي الأمل.. إلى عائشة حسن مالك..
ابنتي العزيزة عائشة.. رأيتك مع أبيك يومًا، ووجدتُّ فيكِ البنتَ الصغيرةَ والتي لم تتجاوز العاشرة.. رأيتك وأبوك يدلِّلُك وأنت بين يديه تمرحين، وبمداعبته تفرحين.
وما هي إلا أيام ورأيتك وأنتِ تتحدثين كالخطيب البارع، تُنشدين: أبي أنت حر وراء السدود.. فلا زالت كلماتك تتردَّد أصداؤها في أذني وإن حالت قضبانُ القفص أن تبيِّن ملامِحَكِ، ولكن رأيتُك في صورةٍ نشرَتْها جريدة (الوفد) نقلاً عن وكالة (رويترز)، وأمامك شتى الإذاعات تلوحين بيديك وتعلو قسمات وجهك علامات العزم الأكيد الذي يفوق سنّك الصغير بعشرات السنين.
لقد كانت مجرد صورة قد تمر على المشاهدين ولا تلفت نظَرَ القارئين، ولكن معي كان لها معنى آخر.. لقد دخلت هذه الصورة أعماق ضميري ودهاليز تفكيري، فملكت عليَّ فكري وتأملي لأيام عديدة، لم تنتهِ بكتابة هذه السطور ولن تنتهيَ؛ لأنها أصبحت محفورةً في الصدور.
بُنيَّتي.. لقد كانت صورتُكِ ترجمةً لمعانٍ كثيرةٍ قد استشكلت عليَّ لأسئلة عديدة قد ألحَّت عليَّ، فكنتِ أنتِ المعنى الجميل والجواب الحاضر.
وأول سؤال كنتِ أنتِ الإجابة عليه هو ذلك السؤال الذي كان يطرح نفسه دائمًا على تفكير كل قارئ حينما يقرأ في التاريخ الإسلامي، فيقرأ عن فتياتٍ مسلماتٍ كان لهنَّ أدوارٌ حاسمةٌ في معركة الحق والباطل، ومنهن أسماء بنت أبي بكر، وكنت أقول في نفسي: هل تستطيع فتاةٌ في هذا السن أن تقوم بهذا الأمر؟!
فلما رأيتك وأنت تقفين هذا الموقف الذي يجبُن عنه الرجال فضلاً عن النساء علمتُ أنه بالإسلام العظيم وبالتربية القويمة تخرج أمثال أسماء وعائشة بنتَي أبي بكر، وكنتِ أنتِ عائشةَ هذا العصر؛ ليظلَّ تاريخُنا موصولاً جيلاً بعد جيل وزمنًا بعد زمن.
وعن سؤال تردَّد في ذهني كانت إجابتك الثانية التي أشرتِ إليها بلسان حالك دون مقالك: هل نجحت الهجمة الشرسة على الإسلام من خلال الإعلام والتعليم في مسح هويتنا وإبعادنا عن سر عزَّتنا؟! فكنت أنتِ خيرَ إجابةٍ لسؤال عضال.
فقد تكسَّرت على أمثالك مؤامرةُ الغربيين وسفاهةُ العلمانيين؛ حيث يوجِّهون للناشئة سهامَهم حتى يفسدوا الأساس فيكون البناء واهيًا ينهار، فكان سهمك في قلوبهم أشدَّ وردُّك بوقوفك متحديةً بطشَهم أقوى.. حفظك الله من كل سوء.
![]() |
|
عائشة حسن مالك |
وأما ثالثة الآمال فهو أني قد رأيتك وقد أصبحت شابَّةً فتيةً أنتِ وقريناتك على مائدة الإسلام، فعلمت معنى العبارة التي كنا نتناقلها، ألا وهي: (جيل النصر المنشود)، فأنتِ يا عائشة من هذا الجيل الذي ننشده.. هذا الجيل الذي يعيش بالإسلام وللإسلام منذ نعومة أظفاره، يعيش مِحَنَه ليستشعرَ آلامَه.
إن المؤرِّخين والمحلِّلين يتوقَّعون قيام دولة الإسلام بعد عشرة أعوام أو عشرين عامًا، وكنا نظنه مجرد تخمين ناتج عن حسابات ومعادلات، فلما رأيت حماسَكِ وعزيمتَكِ، وعلمت أن لكِ قريناتٍ مثلك.. قلت إن هذا الأمر غيرُ بعيد وإنه قد حان أوانُ قطاف الثمرة التي أوشكت على النضج.
وإن كان أبناء الصحابة هم الذين تمتَّعوا بالعيش في ظل الإسلام دولةً ومنهاجًا فها هي الأيام تعيد نفسها، وتكونين أنتِ يا عائشة وقريناتك زهراتٍ لبساتين نصر الإسلام، لآلئ عقد جديد يعود فيه الإسلام من جديد.
وفي النهاية أشكركِ يا عائشة، فقد أحييتِ فيَّ معانيَ كثيرةً.. أ
