بوجه مثقل بالهموم وعينان متعبتان جحظتا من شدة ما فعله الجوع، حمل محمود أيوب طفليه وما استطاع نقله من متاع، متجها إلى حي الصبر جنوبي مدينة غزة.
محمود (33 عاما) من سكان حي الشيخ رضوان اضطر إلى مغادرة الحي تحت القصف الصهيوني الثقيل الذي تتعرض له مدينة غزة منذ أغسطس الماضي، حيث أعلن جيش الاحتلال عزمه احتلال المدينة.
غادر محمود برفقة أسرته المكونة من 5 أفراد إلى حي النصر المجاور على أمل أن يجد فيه ملاذا آمناً، لكن الحال لم يستقر به أكثر من أسبوع، إذ اضطر إلى المغادرة مجددا بعدما اضطر جاره المقيم في الحي إلى النزوح إلى وسط قطاع غزة، لتتوقف إمدادات المياه عن جميع جيرانه.
يقول محمود: "جارنا هو أحد التجار المعروفين في المدينة ولديه في منزله بئر مياه كان يشغل بشكل منتظر لتزويد الجيران بالمياه، ولكنه اضطر كما مئات الآلاف للنزوح إلى وسط القطاع، وما أن خرج جارنا حتى تبعه جميع جيرانه، لأن وجودنا مرتبط بالمياه".
لكن محمود اختار النزوح داخليا في مدينة غزة رافضا التوجه إلى جنوب ووسط القطاع "فلا مكان آمن"، مبينا أنه صديقه في حي الصبرة الذي يشاطره الفكرة ذاته، يستضيفه في منزله على الرغم من خطورة الوضع هناك، مشيرة إلى الحي يعيش أزمة تعطيش حقيقية.
بينما تتساقط حمم الصواريخ الصهيونية وأوامر التشريد على رؤوس المدنيين العزل، يضطر محمود إلى الانتظار في طابور المعطشين، عله يحظى ببضع لترات من مياه الشرب الشحيحة التي يوفرها أحد المتبرعين.
ويمارس الاحتلال حرب تعطيش بحق أهالي قطاع غزة جنبا إلى جنب مع التجويع والقتل في خضم حرب الإبادة الجماعية المستمرة للشهر الـ24 على التوالي، والتي تصاعدت وتيرتها ضمن مخطط احتلال مدينة غزة.
وبصوت حائر يشي بخوف حقيقي من مجهول قادم، يقول، إن الأزمة تفاقمت، وقد اختفت شاحنات توزيع مياه الشرب الشحيحة أصلا، بسبب أوامر التشريد القسري الصهيونية، وبتنا ننتظر قدوم أي من تلك الشاحنات لمدة تصل إلى أسبوع أحيانا.
ويشير إلى أنه يضطر إلى الانتقال إلى مناطق مجاورة لشراء مياه نظيفة للشرب رغم ارتفاع ثمنها، إذ تبلغ تكلفة كل 16 لترا 5 شواقل. لكن ثمة مأساة أكبر وهي اضطراره إلى خلط المياه المالحة بمياه الشرب، لعدم تمكنه من مجاراة شحها وارتفاع سعرها.
وهذه الأزمة التي يفتعلها الاحتلال تطال أيضا المياه المالحة التي يستخدمها الأهالي في الغسل والطهي والاغتسال.
نداء الحياة لغزة
وأطلقت بلدية غزة حملة "نداء الحياة لغزة"، داعيةً الجميع إلى المشاركة في التوقيع والنشر، للمساهمة في خلق رأي عام مساند يطالب بوقف العدوان، وتأمين الخدمات الأساسية، والحفاظ على مقومات الحياة في المدينة.
وتقدر كمية المياه المتوفرة حاليا والتي تصل عبر خط "ميكروت" الصهيوني بنحو 15 ألف كوب يوميا، "وهي كمية غير مستقرة، بالإضافة إلى 10 آلاف كوب تنتج من آبار المياه المحلية الواقعة وسط المدينة وفي المناطق التي تتمكن طواقم البلدية من الوصول إليها"، وفق البلدية.
وناشدت البلدية، اليوم الإثنين، المجتمع الدولي التدخل العاجل لوقف الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة منذ نحو عامين، والعمل على توفير الدعم اللازم لضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية للسكان.
وأوضحت أن الأوضاع في غزة تزداد صعوبة يومًا بعد يوم مع استمرار العدوان على المدينة، مشيرةً انخفاض كميات المياه المتوفرة إلى أقل من 25% من الاحتياج اليومي، وطفح مياه الصرف الصحي وتسربها إلى الشوارع ومناطق تجميع مياه الأمطار، وكذلك تراكم كميات كبيرة من النفايات في قلب المدينة.
وأكدت أن العدوان المستمر على المدينة، والتهديد باجتياحها يُفاقمان الكارثة الإنسانية ويهددان حياة مئات الآلاف من المدنيين الذين يرفضون النزوح.
وأكدت البلدية أنها تواصل أداء دورها الإنساني في خدمة السكان، لكنها تواجه تحديات جسيمة تتطلب دعماً عاجلاً من المؤسسات الدولية لتمكينها من الحد من تدهور الأوضاع البيئية والصحية وتوفير الاحتياجات الطارئة.
خطر انتشار الأوبئة
ويذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA) أن ما يزيد على 70% من محطات تحلية المياه في غزة خرجت عن الخدمة بفعل القصف ونقص الوقود، فيما تضررت شبكات المياه والصرف الصحي بشكل واسع، ما أدى إلى تسربات وتلوث خطير يهدد الصحة العامة.
ويؤكد المكتب في بيان أصدره في 8 سبتمبر أن "تدمير مصادر المياه يفاقم من الوضع الكارثي، ويعرض المدنيين لمخاطر الأمراض والأوبئة".
أما منظمة أوكسفام، فتحذر من أن سكان مدينة غزة باتوا يحصلون على كميات لا تتجاوز 3 لترات من المياه يوميًا للفرد، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني الموصى به عالميًا (15 لترًا).
وتؤكد المنظمة في بيان أصدرته في 11 سبتمبر أن "استخدام (إسرائيل) للمياه كأداة للضغط على السكان يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني".
بدورها، تحذر منظمة "أطباء بلا حدود" في تقرير نشرته في 5 سبتمبرمن أن النقص الحاد في المياه النظيفة وتدمير شبكات الصرف الصحي تسبب في ارتفاع غير مسبوق للإصابة بالأمراض الجلدية والمعدية مثل الجرب والإسهال المائي الحاد، مؤكدة أنها لم تتمكن إلا من إدخال جزء ضئيل من المواد اللازمة لتحلية وتعقيم المياه بسبب قيود الاحتلال.
وتقر الأمم المتحدة بأن "حرمان المدنيين في غزة من المياه والغذاء يرقى إلى استخدام الحصار كسلاح حرب"، داعية في بيان صحفي في 12 سبتمبر إلى فتح ممرات إنسانية عاجلة وتوفير وصول آمن للمساعدات.
ومنذ 2 مارس الماضي، تغلق سلطات الاحتلال معابر قطاع غزة أمام دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والوقود والبضائع، ما تسبب بتفاقم التدهور في الأوضاع الإنسانية وعمل القطاعات الحيوية.
ووفق معطيات نشرها المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، سجلت الجهات المختصة منذ بدء الإبادة أكثر من 1.7 مليون حالة مرضية مرتبطة بالمياه، من بينها حالات إسهال والالتهاب المعوي الحاد والتهاب الكبد الوبائي، فضلاً عن استشهاد 447 موطنا من بينهم 147 طفلا، بسبب الجفاف وسوء التغذية.