نشرت صحيفة "إلباييس" الإسبانية مقالًا للطبيب الإسباني راؤول إنثيرتيس خارّيو، الذي عمل متطوعًا في قسم الطوارئ والتخدير في مستشفيين بغزة بين أبريل ويوليو هذا العام، مستعرضًا شهادته على ما شاهده من مأساة الأطفال والضحايا المدنيين.

 

وأكد أنه بعد ثلاثة أسابيع فقط من وصوله فقد القدرة على عدّ الأطفال المبتورين والمشوّهين والممزّقين والمحترقين الذين اضطر الفريق الطبي لمعالجتهم، فضلاً عن الذين فارقوا الحياة بينهم.

 

وأضاف خارّيو: "ثمة غيمة سوداء في رأسي، تتكوّن من صور فظيعة تمنعني من النسيان، فكثيرون كانوا يموتون أمام أعيننا رغم محاولاتنا اليائسة لإنقاذهم، بمن فيهم من لفظ أنفاسه أثناء تقديم الرعاية".

 

وتابع: "فقدت القدرة على عدّ عربات النقل أو العربات التي تجرّها الحمير المليئة بالجثث في طريقها إلى المشرحة، التي لم تتوقّف المستشفيات عن استقبالها، كانت تدخل وتخرج كما لو أنّها مصنع يدخل ويخرج منه العمّال، لكنّهم موتى، ظلّت وجوه معظمهم مشدودة برعب، تعكس آخر إحساس لهم قبل أن يُقتلوا".

 

ويروي الطبيب الإسباني قصف فتاة في السادسة من عمرها لا تزال صورتها عالقة في ذاكرته، قائلا: "أمسكت بذراعها المبتورة والمحترقة لأزيحها جانبًا لأنها كانت تعيقنا بينما نحاول أن نمنحها فرصة للبقاء، وكانت ترتدي قميصًا داخليًا مطبوعًا عليه خراف صغيرة اضطررنا إلى قصّه لفحصها، ولكنها ماتت فيما بعد ولم أحتفظ باسمها".

 

وأشار إلى أن استقبال المدنيين كان يوميًا وأحيانًا عدة مرات في اليوم، مصابين برصاصات في الرأس والصدر، "لقد كانوا بشرًا مثلنا، واقفين في طوابير الحصول على المساعدات الإنسانية، فاستُهدِفوا بنيران قنّاصة ودبابات وقذائف هاون وطائرات مسيّرة، كانوا 40 أو 60 أو 90 جريحًا دفعة واحدة، وفي صباحٍ واحد تجاوز عدد من استقبلناهم المائتين".

 

ومضى بالقول: "لقد كنا نتعثر بالجرحى الممدّدين على الأرض ونسقط فوقهم، كثيرون منهم كانوا أطفالًا ونساءً، وكان عددهم يفوق طاقتنا فمات كثيرون وهم ينتظرون مساعدة لم تَأتِ".

 

الأولوية للأطفال

 

أكد الطبيب أن وسط هذا الجحيم كان لديه يقين واحد على الأقل: "يجب أن نبدأ بالأطفال"، مستذكرا كذلك طفلة لا تزيد عن سنة ونصف، أُصيبت برصاصة في الصدر وهي بين ذراعي أمها، وقد جاءت من أحد مصائد الموت التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، في مشهد وصفه بالمثير للاشمئزاز في ظل ما حصل.

 

وشاهد خارّيو الدكتورة آلاء، طبيبة الأطفال، وهي تفقد جزءًا كبيرًا من روحها بعد أن استشهد 9 من أبنائها العشرة وزوجها في قصف صهيوني أثناء عملها.

 

وأضاف: "لم أدْرِ من أين استمدّت القوة لتأتي بعد 3 أيام مرتدية ملابس الحداد لتشكر الأطباء الذين عالجوا ابنها الوحيد الناجي، آدم".

 

وتابع الطبيب أنه فقد القدرة على عدّ الآباء والأمهات الذين فقدوا أبناءهم، والنساء والرجال الذين رآهم ملقين على الأرض في حالة صدمة أو يصرخون وهم يتلقّون أبناءهم الموتى على أسرّة المستشفى.

 

زملاء فقدوا أقاربهم

 

وأكد أن جميع زملائه بلا استثناء فقدوا أقارب من الدرجة الأولى أو الثانية، منهم أحمد، الممرّض الجراح، الذي قُتل مع أطفاله الثلاثة بقنبلة استهدفت كوخه، لافتا إلى أنه لم يكن أحد يرسم ابتسامة على وجهه كما كان يفعل هو، رغم معاناته وظروفه البائسة، وكان يحيّيه بحرارة ويمنحه كلمة طيبة تجعله يشعر بأنه إنسان أفضل.

 

وبين أن الفريق الطبي كان يستقبل يوميًا، وخاصّة ليلًا، عائلات بأكملها بعدما قُصفت أكواخهم في مخيمات النزوح في "المنطقة الإنسانية" بالمواصي – المكان الذي طُلب من السكان اللجوء إليه لتجنّب الهجوم الصهيوني، والذي يُطلَب منهم الآن التوجّه إليه مجددًا.

 

واختتم خارّيو مقاله بالقول: "قد يقرّر الآخرون فيما بعد إن كان ما حدث إبادة جماعية أم لا، لكنّي طفت غزّة طولًا وعرضًا، وأعرف شيئًا واحدًا مؤكدًا: لا يمكن العيش هناك".