في مدينة غزة، لا يترك القصف الصهيوني للناس فرصة للنجاة. المنازل تتحول إلى قبور جماعية، والناجون يروون قصصاً عن لحظات لم تمنحهم سوى دقائق لمغادرة بيوتهم قبل أن تُسوى بالأرض.
نادر الحصري، والد عائلة قُصفت في مخيم الشاطئ يوم 11 سبتمبر الجاري، يقف مذهولاً أمام ركام منزله: "طلبوا منا أن نخرج فوراً. لم يعطونا وقتاً. دخلت زوجتي وأولادي لالتقاط بعض الأوراق، لكن الطائرات قصفت. بقوا تحت الأنقاض. ما زلت أسمع أصواتهم تصرخ حتى لحظة الانفجار".
في اليوم التالي، تمكّن الأهالي بأدوات بدائية من انتشال جثامين ستة شهداء من العائلة، بينهم الأم نيفين (43 عاماً) وأطفالها الثلاثة يارا (23 عاماً) وبراء (15 عاماً) وفؤاد (19 عاماً). بقية العائلة ما زالت مفقودة.
لم يعد هناك مكان آمن
محمد (41 عاماً) نازح من حي الشيخ رضوان، يصف هول ما عاشه: "بقينا ننتقل من شارع إلى آخر هرباً من الطائرات الصغيرة التي تلاحقنا حتى ونحن نحمل أطفالنا. لم يعد هناك مكان آمن. لا نعرف إن كنا سننجو في الليلة القادمة."
أما أحمد (27 عاماً)، فأصيب بجراح في ساقه عندما استهدفت طائرة مسيرة تجمعاً للنازحين، يقول لمراسلنا: “كنت أوزع الماء على الناس. فجأة ظهرت طائرة صغيرة وأطلقت متفجراتها. سقط ثلاثة شهداء بجانبي فوراً. لم يكن بينهم أي مقاتل”.
صراخ تحت الركام
في حي النصر، شمال غزة، وصف جابر، 55 عاماً، لحظة انهيار بناية كاملة فوق سكانها: “سمعنا صراخ الجيران، حاولنا مساعدتهم. لم نستطع إدخال أي معدات. الأطفال ظلوا يصرخون لساعات تحت الركام حتى خفتت أصواتهم. كأننا شهدنا موتهم لحظة بلحظة”.
هذه الشهادات تعكس نمطاً متكرراً، يبدأ الأمر باتصالات عاجلة تأمر السكان بالإخلاء، دقائق قليلة للنجاة، ثم غارات تدمر المنازل بالكامل. القصف لا يترك وقتاً للبحث عن الوثائق أو اصطحاب كبار السن والمرضى. الناجون يخرجون بأجسادهم فقط، ليجدوا أنفسهم بلا مأوى وسط آلاف النازحين في مناطق مكتظة، بلا خدمات أو أمان، وفق بيان صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
مجازر يومية
ولا يقتصر الأمر على التدمير، فالاحتلال الصهيوني لا يتوقف عن ارتكاب المجازر في المنازل والشوارع وخيام النزوح.
وتوثق وزارة الصحة في غزة يوميا استشهاد من 50-60 مواطنًا في مدينة غزة وحدها بينهم عشرات النساء والأطفال، جراء الغارات الصهيونية.
الباحث الحقوقي محمد عادل يؤكد أن القصف الصهيوني المكثف وما يرافقه من مجازر وتدمير الذي تشهده مدينة غزة يهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها، مشيرًا إلى أن ذلك هدف صهيوني معلن من جيش الاحتلال ومن المستوى السياسي الصهيوني.
وأوضح عادل في حديثه للمركز الفلسطيني للإعلام أن الاحتلال يسعى من خلال المجازر وتدمير المباني وقصف مخيمات النزوح إلى تحويل المدينة إلى خراب غير قابل للعيش ويسارع الوقت لتفريغ المدية من سكانها ليستكمل التدمير الذي يفعله منذ نحو عامين في كل القطاع.
القصص التي يرويها الناجون تثبت أن استهداف المدنيين سياسة إسرائيلية ممنهجة لخلق بيئة طاردة للحياة ودفع السكان إلى النزوح القسري.
ما يجري في غزة ليس مجرد قصف متقطع، بل عملية مستمرة لتدمير مدينة تاريخية عريقة كاملة وتهجير من يسكنها، فهل ينجح الاحتلال في ذلك، أم ينجح مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يصرون على الصمود بين الركام في إفشال مخططات الاحتلال الإجرامية.