وليد شلبي

بقلم: وليد شلبي*

يعد إدارة الأزمات واحدةً من أهم وأخطر الإشكاليات التي تواجه الحركة الإسلامية على وجه العموم، فالعمل الإسلامي سواء كان دعويًّا أو حركيًّا على المحك دائمًا وفي ظل غياب الأُطر المؤسسية القانونية لدول العالم الثالث فإن العمل الإسلامي شأنه شأن أي عمل يواجه أزمات أو يصطدم بعقبات إدارية أو أمنية أو سياسية حتى ولو حاول أن يعمل في ظل الأُطر القانونية القائمة، أو أن يحصل على "صك" القانونية.

 

وإذا كان بعض علماء الإدارة يعرِّفون الأزمة بأنها "ذلك الحدث السلبي الذي لا يمكن تجنبه أيًّا كانت درجة استعداد المنظمة، "فإن القائمين على العمل الإسلامي في حاجةٍ إلى ما يمكن تسميته بـ"فقه إدارة الأزمات"، فإدارة الأزمة ليست سهلةً ميسورةً، ولكنها تُعد أحد أهم وأخطر عناصر العمل الإسلامي، فإذا لم يُحسن التعامل معها قد تجر على العمل ويلات كثيرة، فلا بد من تحليل أي مشكلة، ودراسة البدائل في ظلِّ الإمكانات المتاحة، والظروف القائمة، وحسابات الأضرار والمنافع واعتبارات المقاصد الشرعية، وتلمس الحلول المناسبة، دون تفريط في "الثوابت" الخاصة بالعمل أو الخروج عن أُطره.

 

فمتى يكون القرار صلبًا حاسمًا ومتى يكون مرنًا لينًاً، وكيف تُدار الأزمة للخروج بأقل الخسائر ودون تأثير جوهري على العمل الدعوي وأركانه وأساسياته، بل كيف تُدار الأزمة للاستفادة منها واستثمارها وتحويلها من نقمة إلى نعمة، وكيف يُحافظ من يُدير الأزمة على وحدة الصف في ظل ظروف الأزمة، كل هذا يحتاج لفقه إدارة الأزمات، وأحسب أن العمل الإسلامي عمومًا وقادته خصوصًا في حاجةٍ لهذا الفقه بشدة ليُحسنوا التعامل مع الأزمات من حولهم.

 

وللأسف الشديد فإن الكثير ممن يعملون على الساحة الدعوية يفتقدون إلى "فقه إدارة الأزمات" مما يُوقعهم في إشكالات أو صدامات مختلفة، تعطل العمل؛ بل وقد تُعيقه لفترة ما طويلة أو قصيرة عن الساحة.

 

وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين بتجربتها الكبيرة أدركت هذا الأمر جيدًا، وأخذت تتعامل مع الأزمات بمنظورٍ علمي، ورؤى شرعية، وقرار شورى فإن الإمام حسن الهضيبي يرحمه الله يُعد أفضل مَن أدار الأزمات في العمل الإسلامي في العصر الحديث في إطار دعوي، فلقد واجه الرجل أزماتٍ كثيرةً من داخل الصف (جماعة الإخوان المسلمين) ومن خارجه (الحكومة المصرية) في ذلك الوقت، وأدارها كأفضل ما يكون بمهارة واقتدار.

 

وإذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي عاش فيها الرجل- داخلية أو خارجية- والمحن التي تعرَّضت لها جماعة الإخوان المسلمين في عهده، والتي بلغت من الشدة والقسوة والضراوة الدرجةَ التي تزلزل أركان أي تنظيم أو جماعة، ما لم تكن هذه الجماعة تُخلص لله وحده، وقائمة على أسس عقدية وفكرية سليمة، ولها في ذات الوقت قيادةٌ ذات قدرة على التعامل مع الأزمات وغنية بمعرفة فقه الأزمات ومتأصل فيها وليس شعارًا.

 

ولقد مَنَّ الله على الإخوان المسلمين بالإمام حسن الهضيبي ليقودَ الجماعةَ في ظلِّ أعتى وأشدَّ المحن التي تعرَّضت لها الجماعة في تاريخها، واستطاع- بفضل الله- أن يتعاملَ مع هذه الأزماتِ بمهارةٍ فائقةٍ في ظلِّ ظروفٍ حالكةِ السواد، واستطاع أن يقودَ السفينةَ كأمهر ربان في بحورٍ متلاطمة الأمواج لينجوَ بها ويصلَ بها إلى برِّ الأمان، محافظًا على ثوابت العمل وأُسسه والأُطر التي وضعها مُؤسسها الأول الإمام الشهيد حسن البنا- يرحمه الله.

 

فعن فطنة وكياسة الأستاذ الهضيبي في إدارة الأزمات التي حلَّت بالجماعة وعن منطلقاته الدعوية يقول الأستاذ عمر التلمساني- يرحمه الله-: "وإذا كان حسن البنا قد مضى إلى ربه وترك النبتةَ يانعةً فتيَّةً، فقد كان حسن الهضيبي علاَّمة زمانه، ومشعل عصره، يوم حمل الراية حريصًا لم يُفرط، عزيزًا لم يَلن، كريمًا