زوجي الحبيب..
أكتب إليك رسالتي الأولى وأحسبها الأولى أيضًا في سلسة من رسائل قد أعددتُها للنشر قريبًا؛ علَّها تكتب سطرًا وتكشف سترًا عن المنحة الربانية التي نعيشها، وإن جاءت لنا على طبق المحنة..
أجدني في هذا المقام أستعيد بعضًا من ذَوْبِ الفؤاد، سطرْتُه إثر اعتقالك في صيف 2005م، وأودعته رسالة مواجهة السد (...)، ونشرت آنذاك، وأطلعتُك عليها، جاء فيها على ما أذكر: مضى الرجال.. أحبَّة القلوب وإلْف الأرواح، رؤوسهم تطاول عنان السماء عزةً وشموخًا, وقلوبهم غمرةٌ باليقين والفرج القريب, وأكفُّهم تلوح رافضةً الزَّيفَ وقد زيَّنتها سلاسل الأحرار، ويشاء الله أن يُلبِسَهم حُللَ الطُّهر والنقاء، فما تدري أيهما أكثر نصاعةً ووضاءةً، مظهرهم أم مخبرهم؟!
صغارنا يترنَّمون: نحن جند الله دومًّا.. دربُنا دربُ الأُباة.. لقد رضعوا أن "العزة لله ولرسوله وللمؤمنين" وشبُّوا على ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوْهُ﴾ (الأنعام: من الآية 152) وخبزُهم اليومي: إذا كنت بالله مستعصمًا فماذا يضيرك كيدُ العبيد؟!
وفي كل محنة كنا نرفع شعار: استوعب الحدث ولا تدع الحدث يستوعبك.. أما اليوم فإن شعارنا المتجدد الثري بجليل الإشارات والمعاني: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُوْنَا﴾ (إبراهيم: من الآية 12)، ولعلِّي أعود إلى هذا النبع الرائق في رسالة أخرى لأحكيَ لك عن فيوضاته التي تروي أشواقَنا وتبثُّ السكينة في قلوبنا.
يؤمن الأولاد "أننا معشر النساء حفيدات جدةٍ اغتسلت فجرًا من الفرات، وأَرسلت ظهرًا مع وحيدها لإمام المسجد كل ما تملك لنصرة دين الله.. ما زالت- زوجي الحبيب- ضفائرنا تلجم نزوات بشريتنا وتودعها خطوات في الطريق إلى الله.
أمَّا جدتنا الثانية فقد تطيَّبَت من طمْي النيل لتستقبل عريسها وهو يَزُفُّ لها حبَّه الذي ملك عليه حياتَه، فلم تزد على مقولة: الدعوة سيدتي وأنا خادمتها.. ما زالت عزمتُها الصادقة تضيء مسارَنا بالطهر والصبر والوفاء والبر!!
لن يعرف الوجع طريقًا إلى قلوبنا؛ لأنها منشغلة بتدبُّر آل عمران وإبراهيم والفتح..
لن يعرف الدمع سبيلاً إلى مآقِينا؛ لأننا أودعناه محارَ البحر، وغدًا سيفيض مدًّا يقرب المراكب المسافرة والبحَّارة البررة بدينهم وأمتهم وبلادهم، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله..
أمَّا الفئةُ الباغيةُ من قومنا، التي استباحت حرماتنا، ونهبت بعضًا من ممتلكاتنا وأقواتنا، وتحاول جاهدةً خاسرةً الكيدَ وإلحاقَ الأذى بنا، فإن اعتصامنا بحبل الله سيُبطل كيد ما صنعوا؛ يقينًا بوعد الله ﴿لَن يَّضُرُّوْكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111) أي الألم البسيط العابر؛ ولأن الله ﴿لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ (يونس: من الآية 81) تحدونا البشارة النبوية الكريمة لابن سنان الرومي: ربح البيع أبا يحيى..!!
فهل ترانا ربحنا البيع عندما عقدنا الصفقة مع الله منذ أن عرفنا الطريق: لا لدنيا قد عملنا نحن للدين الفداء؟! أم ما زلنا في أول الطريق، نبتهل إلى الله بضراعةٍ أن يرحم ضعفنا، ويأخذ بأيدينا إليه دعاة حق وصدق؛ لنلحق بالقافلة التي اختارها الله واختارت هي الإخبات إلى الله، يشدها الحنين إلى الدار الآخرة، زاهدة في عرَض زائل في هذه الحياة الدنيا، وعيونها معلَّقةٌ بالكرم الإلهي: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيْكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾ (الضحى).
--------------------
* زوجة الدكتور ضياء فرحات