بقلم: ياسر أبو عمار

أحبتي خلف القضبان، اسمحوا لي أن أناجيَكم بما يجيش في صدر أخٍ لكم تفطَّر قلبُه حزنًا على فراقكم، وآلمه أن تغيبوا داخل أقبية السجون بينما يرتع المجرمون خارجها، فليست لأمثالكم شُيِّدت السجون.

 

ولكنَّ العباقرة في بلادنا قلبوا الآية، فأصبحت السجون هي المقر الطبيعي للمصلحين في هذا البلد، بينما ينعم الفاسدون بالحرية.. آسف والله على هذا التعبير الخطأ، فأنتم من تنعمون بالحرية رغم القيود التي تكبِّلكم، أما هؤلاء الذين قسَت قلوبُهم لدرجة التصلُّب وأظلمت عقولهم لدرجة الحمق، فقاموا بتدبير المؤامرات لحجْبِكم عن أحبابكم وأهلكم وأموالكم وإخوانكم فلن ننتظر كثيرًا حتى نشاهد ما يقسمه لهم الله جزاء ما فعلوا.

 

إخوتي- الكبار قيمةً ومقامًا- أعلم أنكم لن تقنطوا رغم المحنة، فأنتم من علَّمَنا الصبرَ على الشدائد وتحمُّل الصعاب.. أُدرك أنكم لن تهادنوا شقيًّا، فأنتم من درَّس لنا ضرورة الثبات في وجه المحن.. أتيقن أنكم لن تتراجعوا عن الطريق فأنتم من قال لنا إن هذه الدعوة هي الغالبة، وإن الدين منتصر ولو كره المجرمون.. أعتقد أنكم لن تحزنوا على أموالكم التي نهبها الظالمون؛ فأنتم مَن يُدرك أن المال لله وأن الدنيا لا بد أن تكون في أيدينا وليست في قلوبنا.

 

يا أيها المغيَّبون خلف الجدران.. أنتم الأحرار وسجَّانوكم هم المعتقلون داخل خوفهم وفزعهم وغشاوة قلوبهم.

 

أُدرك تمامًا أن إيمانكم الواثق بالله عاصمٌ لكم من أن يتسرَّب اليأسُ إلى قلوبكم، أو يتسلَّلَ الحنق إلى نفوسكم، فأنتم أسمى من ذلك بكثير.

 

إنني حين أبثُّ إليكم تلك الكلمات إنما أثبت نفسي وإخواني خارج السجون، بينما أنتم ملحُ الأرض الذي لا يفسد.. أنتم سراج الزيت الذي يضيء لنا الطريق إلى الحرية.

 

هل تتخيَّلون- أحبتي- مدى الحب الذي استقرَّ في قلوب الناس نحوكم، رغم أن النسبة الأكبر منهم لا تعرفكم، وقد لا تكون تعرف أشكال بعضكم أو معظمكم؟!

 

إنه الحب الذي يقذفه الله في قلوب الناس لكم رغم كيد الكائدين، فكيف يمنع نور الله أقزامٌ صغارٌ؟! وكيف يتخيَّل البعض أن يطفئ الشمس بيديه القاصرتَين؟ كيف يتصوَّر أحدٌ أن يوقف سريان الماء في الجداول والأنهار لأنه تمكن من إغلاق صنبور صغير؟!

 

ارفعوا رؤوسكم- أساتذتي- ولتستمر البسمة على وجوهكم، فإنها والله بشائر النصر.

 

لا أبالغ حين أقول ذلك، فالثابت لدينا أن الفجر لا يبزغ إلا حين تدلَهِمُّ الخطوب وتظلم الدنيا بشكل لا بصيص معه.. نحن ما زلنا في انتظار الفجر القادم.. الفجر الباسم، وأشعر أننا لن ننتظر كثيرًا.