طالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الاتحاد الأوروبي، الذي أعلن مؤخرًا عن تفاهمات مع الاحتلال الصهيوني بشأن تدفق المساعدات، إلى مراقبة تنفيذ هذه التفاهمات ميدانيًا وضمان ألا تبقى حبرًا على ورق، بعدما ثبت فشلها في تحقيق أي تغيير ملموس على الأرض.
وحذر المركز في بيان له، الأحد، بأن سكان القطاع على أعتاب كارثة مؤكدة في ظل غياب تام للقدرة على التدخل والاستجابة نتيجة استمرار الحصار المشدد الذي تفرضه قوات الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة منذ 2 مارس 2025.
وأكد أن المجاعة في قطاع غزة باتت واقعًا لا يُمكن احتماله، ووضعاً قاتمًا يعيشه مليونا فلسطيني محاصرين تحت وطأة الحرمان ونيران القتل، وفي ظل حصار شامل، وتدمير منهجي لمقومات الحياة، وفشل كامل للمنظومة الدولية في وقف جريمة الإبادة الجماعية التي تُرتكب بحق السكان منذ 22 شهرًا، وسط عجز المجتمع الدولي عن وقف هذه الجريمة، علاوة عن العجز في تأمين المساعدات الغذائية والصحية، وهو ما مكّن سلطات الاحتلال من مواصلة جرائمها دون رادع، والإفلات الكامل من المساءلة والعقاب.
وكان آخر تقرير لشبكة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادر في مايو 2025، قد أشار إلى أن قرابة نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة يواجهون جوعًا كارثيًا ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات انعدام الأمن الغذائي، بينما يعاني كافة سكان القطاع وفق التقرير من انعدام حاد في الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة.
وبعد نحو شهرين من صدور هذا التقرير، يزداد الوضع سوءًا وتتعمق مأساة سكان قطاع غزة بعد أن صم العالم آذانه عن جريمة القوات المحتلة في استخدام التجويع سلاحًا، فعلى وقع ذلك ارتفع عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد إلى أكثر من 71 ألف طفل، إلى جانب أكثر من 17 ألف سيدة بحاجة إلى تدخل علاجي فوري، وفق المركز الحقوقي.
وذكرت وزارة الصحة الفلسطينية أن أقسام الطوارئ في المستشفيات تستقبل أعدادًا غير مسبوقة من كافة الفئات العمرية لمواطنين يعانون من حالة الإجهاد والاعياء الشديدين، بعد أن فقدوا الكثير من أوزانهم ونحلت أجسادهم نتيجة عدم تناولهم الطعام لأيام طويلة.
كما أكد الطبيب صهيب الهمص، مدير مستشفى الكويت الميداني بمواصي خانيونس أن جميع الحالات التي تصل المستشفى بحاجة ماسة إلى الغذاء قبل الدواء، فجميعهم باتوا مهددين بالموت بعد أن تجاوزت أجسادهم القدرة على الصمود.
وفي موازاة هذا التجويع الممنهج، حوّلت سلطات الاحتلال ما تُسمى بـ"مراكز توزيع المساعدات" إلى مصائد موت حقيقية، وهي آلية توزيع للمساعدات أكد المركز مراراً أنها صنعت لقتل الموجوعين وإذلالهم وقد طالب بوقفها ، فمنذ بدء العمل بها في 27 مايو2025 الماضي، وبدل أن تكون هذه المراكز بوابة للنجاة، تحوّلت إلى ساحات إعدام ميداني للمدنيين المجوّعين.
وقتلت قوات الاحتلال 851 فلسطينيًا وأصابت أكثر من 5634 آخرين قرب تلك المواقع، وتمنع أي إجراءات تعمل على معالجة حقيقية لأزمة الجوع المتفاقمة.
وأشار المركز الحقوقي إلى أن هذه الهجمات، التي تتم في ظروف لا تشكل فيها حشود المدنيين العُزّل أي تهديد لحياة الجنود أو العاملين في تلك النقاط، تُعد امتدادًا مباشرًا لجريمة الإبادة الجماعية، باستخدام المساعدات الانسانية فخًا للقتل تحت ستار العمل الإنساني.
وشدد على أن هذا النموذج الفج من الاستغلال السياسي والإجرامي للمساعدات الإنسانية يُجسد بأوضح صورة عقيدة العقاب الجماعي التي تُمارَس بحق سكان غزة، واللامبالاة المطلقة بحياة الفقراء والجياع.
وأكد المركز أن المجاعة في غزة باتت جزءًا لا يتجزأ من مشروع سياسي صهيوني لإخضاع السكان وتفكيك المجتمع في قطاع غزة، وهو أمر لا يمكن فصله عن سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها سلطات الاحتلال منذ عقود، والتي تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ السابع من أكتوبر2023.
ورأى المركز أن استمرار الصمت الدولي، وتقاعس منظومة العدالة الدولية، يمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا وجنائيًا لمواصلة الإبادة.
كما أكد المركز أن الإفلات من العقاب لم يعد خطرًا قانونيًا فقط، بل بات تهديدًا أخلاقيًا لما تبقى من منظومة القيم الإنسانية.
وطالب المركز الأمم المتحدة وهيئاتها، وخاصة المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، بالتحرك العاجل لإجراء تقييم ميداني شامل للوضع في قطاع غزة، وعدم الانتظار لإعلان قطاع غزة رسميًا منطقة مجاعة من الدرجة الخامسة.
ودعا المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق عاجل في جريمة التجويع الحالية، ومساءلة قادة الاحتلال على ما يرتكب من جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.