يدور جدل كبير في صفوف جيش الاحتلال الصهيوني وقادته بشأن أسلوب القتال في قطاع غزة، وسط إقرار من بعض الضباط والقادة بفشل "عربات جدعون"، ومن قبلها "الجرأة والسيف"، في تحقيق أهدافها، وأن المستوى السياسي يروّج لأكاذيب بشأن السيطرة على مناطق في القطاع، مؤكدين أن جيش الاحتلال يحتاج لسنوات أخرى من القتال هناك، وأشاروا إلى تفضيل المستوى السياسي مقتل الجنود الأصغر سناً في الخدمة النظامية على الأكبر من جنود الاحتياط، لأن تكاليفه اللاحقة أقل.
وبحسب شهادات جمعتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية قادة وضباط في جيش الاحتلال، لصالح تقرير نشرته اليوم الجمعة، فإن المستوى السياسي يحث الجيش على إخفاء حقيقة أن حماس لم تُهزم بعد. كما يتضح أن العمليات العسكرية في إطار حرب الإبادة التي سُوِّقت للجمهور بعنوان "الجرأة والسيف" و "عربات جدعون"، لم تكن جزءاً من خطة عام 2025. وتتهم قيادات ميدانية مسئولين صهاينة بتقديم صورة زائفة للجمهور، وعلى ضوء الوضع الحالي قالت هذه القيادات "سنقاتل هنا حتى بعد خمس سنوات"، كما تحذّر قيادات عسكرية من أن "الانسحاب من محور موراج سيضر بالإنجازات ويصعّب القتال مستقبلاً".
وكشفت خلافات بين وزارة المالية والمؤسسة الأمنية حول إضافة 60 مليار شيكل لتمويل الحرب في الشهرين الأخيرين، أن "عربات جدعون"، التي وُصفت بأنها استمرارية للقتال في غزة بعد وقف إطلاق النار مطلع السنة، لم يكن من المفترض أن تحدث أساساً. وأن الصفقة التي تُصاغ حالياً بين "إسرائيل" وحماس حول تبادل الأسرى، كان يجب تنفيذها بين أواخر عام 2024 وبداية العام الحالي استكمالاً للصفقة الجزئية السابقة.
وأكدت جهات بقسم الموارد البشرية في الجيش أن "عربات جدعون"، خاصة في صيغتها المطوّلة التي استمرت لأسابيع عدة، لم تكن مدرجة في الخطط لعام 2025، الذي كان من المفترض أن يكون عام تهدئة في غزة، واستمرت الحرب بخلاف الوعود المقدمة للجنود وقادتهم والحاجة، بعد سنة وشهرين (في حينه) من القتال المتواصل، بالسماح للجيش وللجمهور بالتعافي وإعادة البناء بعد حرب طويلة ومُنهكة. لكن القيادة كسرت هذا الوعد وجندت آلاف الجنود من الاحتياط لجولة ثانية من القتال، بما في ذلك داخل غزة، خلافاً لما كان مخططاً. كما أنه خلال فترة العدوان على ايران، استدعى جيش الاحتلال نحو 150 ألفاً من جنود الاحتياط ولا يزال حوالي 100 ألف منهم في الميدان.
ويلفت تقرير الصحيفة الصهيونية إلى أنه مع استئناف الاحتلال للقتال في 18 مارس الماضي، تحت اسم "الجرأة والسيف"، أوعز المستوى السياسي للجيش باستخدام الجنود النظاميين (الشباب) بشكل أساسي، والسعي لتقليل عدد القتلى قدر الإمكان، حتى ولو على حساب وتيرة بطيئة جداً في القتال، والذي من المتوقع أن يستمر لعدة أشهر.
وفي شهر مايو الماضي توسعت العملية إلى مرحلة أوسع من القتال، وتمت إعادة تسويقها باسم جديد هو "عربات جدعون". ويوضح التقرير أن "ثمن" سقوط جندي يبلغ من العمر 20 عاماً في المعركة سيكون دائماً أقل للدولة من ثمن سقوط جندي احتياط يبلغ من العمر 30 عاماً، وهو في ذروة مسيرته المهنية ولديه أسرة شابة وأطفال صغار في المنزل. كما أن الجنود النظاميين الشباب يشتكون أقل من جنود الاحتياط، وينفّذون الأوامر دون طرح أسئلة.
وقام جيش الاحتلال بتفعيل أربع إلى خمس قيادات فرق، حتى في هذه الأيام، خلال العملية البرية الواسعة، مما خلق انطباعاً بأن عشرات الآلاف من الجنود يندفعون ويتحركون في قطاع غزة. لكن على أرض الواقع، وفقاً للتقرير، فإن التحرك محدود أكثر بكثير مما تم الإعلان عنه، والجيش لم يُفعّل فعلياً خمس فرق، تضم عشرات الآلاف، بل أرسل عدداً أصغر نسبياً من فرق القتال اللوائية تحت قيادات الفرق، على عكس المناورة الكبرى بين نوفمبر 2023 ومنتصف 2024.
ويزعم جيش الاحتلال، بما يتماشى مع القيود من حيث عدد العناصر، أنه ركّز عمليته البرية على عدد محدود نسبياً من مناطق القتال داخل القطاع. وبحسب شهادات ضباط في الجيش فإن "معاقل مركزية أخرى لحماس في المدينة، لم تُعالج أو تُحتل بعد"، منها مدينة غزة ومحيطها، ومناطق أخرى، وسيحتاج جيش الاحتلال إلى تشغيل ما لا يقل عن فرقتين، لخوض قتال طويل يمتد لأشهر فيها.
صورة زائفة
ويدعي عدد متزايد من القادة الميدانيين أن المهام الهجومية التي يُرسلون إليها تتعلق أكثر بتأمين القوات الهندسية وتدمير مبان، بوصفه هدفاً بحد ذاته وليس وسيلة في مواجهة حماس، التي تبادر أكثر إلى هجمات معقدة ومركبة على طريقة حرب العصابات، بما في ذلك محاولات اختطاف جنود.
ويصف ضابطان كبيران تحركات جيش الاحتلال في القطاع بقولهما "نتقدم ببطء شديد، وبشكل مكشوف، وبطريقة ملتوية". وبحسب أقوالهما، لا يزال الجيش في معظم ساحات القتال يعمل بنفس الأسلوب المتبع منذ سنة ونصف: "بدلاً من الحصار، نبلغ العدو بنيّتنا العمل في المنطقة، من أجل إبعاد السكان الذين تم إخلاؤهم عدة مرات خلال الحرب، ومع مرور الوقت يصبح ذلك أكثر صعوبة".
وتحدث جيش الاحتلال والمستوى السياسي، في بداية عملية "مركبات جدعون"، عن مواصلة العمليات بهدف حسم المعركة ضد حماس بوصفها غاية أساسية للعملية، لكن في الأسابيع الأخيرة، تم تقليص أهداف العملية إلى "خلق ضغط على حماس من أجل إعادة الأسرى ضمن صفقة". ويعتقد بعض قادة الفرق أنه يجب مواصلة القتال وعدم التوقف، ويشيرون إلى أن الضغط العسكري الحالي، حتى إن كان محدوداً، أدى إلى تصفية قادة إضافيين في حماس مثل محمد السنوار، بالإضافة إلى عشرات القادة الآخرين ومئات المقاومين، وكذلك العثور على جثث محتجزين صهاينة واستعادتها.
وناشد قادة عسكريون في جيش الاحتلال، رئيس الأركان وقائد المنطقة الجنوبية، بالانتقال إلى أسلوب الحصار "لأن الطريقة السابقة، المتمثلة في دفع السكان وتطهير جزئي، لم تكن فعالة بما فيه الكفاية. وفي عمليات الدهم المتكررة منذ ذلك الحين، بنفس الأسلوب، فقدت العمليات فعاليتها، لأن حماس نجحت في الحفاظ على معظم عناصرها، الذين تحركوا مع السكان". وترى قيادات عسكرية أن أسلوب الحصار بصيغته الكاملة جُرّب، وحتى الآن نجح في مدينة رفح. كما يرون أن الانسحاب من محور موراج، في إطار الصفقة المحتملة، سيُجبر جنود جيش الاحتلال على العودة إلى أحياء المدينة في الأشهر والسنوات القادمة لضرب حماس، وسيُبدد "الإنجازات المهمة في المدينة الوحيدة في القطاع التي فُرض عليها حصار فعّال بالفعل".
وهناك إجماع بين قادة الجيش، وفقاً للتقرير الصهيوني، على أنه إذا انتهت الحرب فعلاً في الأشهر القريبة، فإن حماس ستظل موجودة، مع أكثر من عشرة آلاف عنصر، ويقول أحد القادة: "لا يهمنا كثيراً التسميات التي تُطلق على العمليات، أو الخلافات الخارجية التي من الواضح أنها تتسلل أيضًا إلى الميدان"، مضيفاً: "نحن نقاتل هنا لأن لدى حماس بنى عسكرية تحتية ضخمة، بغض النظر عن عدد عناصرها، بالإضافة إلى دوافعها وخططها للعمل ضد القوات. لذلك، هذه مهمة سنضطر إلى مواصلتها بعد عام، وبعد خمس سنوات، في هذه المناطق، للحفاظ على الإنجازات، بغض النظر عن اسم العدو هنا، سواء كان حماس أو الجهاد أو أي اسم آخر. من المؤسف أنهم (المسئولون الصهاينة) يبيعون للجمهور صورة زائفة بأن الأمر سينتهي قريباً، وأن هذا العدو سيتم القضاء عليه في المستقبل القريب. هذه معركة مستمرة، تماماً كما هو الحال في الضفة الغربية (المحتلة) حيث القتال مستمر، وفقط في الأسبوع الماضي شهدنا هناك عملية قتل إرهابية".
ويضيف قادة في جيش الاحتلال: "كسرنا العظام الرئيسية لحماس، كضربة لجيش منظم يضم كتائب وألوية. المهمة الشاقة هي معالجة باقي عظامه، الصغيرة والمتوسطة، والمرحلة التالية ستكون الحفاظ على الإنجاز، والعودة وجز العشب (اغتيالات)، وهذا سيستغرق سنوات أخرى. لكن في عصر الشعبوية الحالي، يُغذّى الجمهور (الاسرائيلي) بالأكاذيب والدعايات (من المسئولين)، تماماً كما حدث في العقد الذي سبق السابع من أكتوبر 2023 وبعد كل جولة (قتال) مع حماس".