في ليلة مشبعة برائحة التراب والغضب، انفجرت أرض بيت حانون تحت أقدام قوات الاحتلال الصهيوني، وارتفعت ألسنة اللهب من بين الركام حاملة معها واحدة من أقسى الضربات الميدانية التي تلقاها جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه على غزة.

 

كمين مركب، بالغ الدقة والجرأة، نفذته المقاومة الفلسطينية مساء السابع من تموز، استهدف وحدة نخبوية هندسية إسرائيلية في محيط بيت حانون.

 

العملية، التي جرت في قلب منطقة اعتبرتها قيادات الاحتلال "آمنة ومطهرة"، كشفت زيف التفوق الميداني لجيش الاحتلال، وكشفت منظومته الاستخبارية والعسكرية في آنٍ معًا.

 

كيف انفجرت بيت حانون في وجه الاحتلال؟

بدأت العملية عندما مرت ناقلة جنود مدرعة فوق عبوة ناسفة مموهة بدقة في أحد الطرق الجانبية شمال البلدة.

 

ومع أول انفجار، كانت المقاومة تضع اللمسة الأولى على لوحة كمينها: عبوة أولى، ثم صاروخ موجه على روبوت هندسي، أعقبه استهداف مباشر لقوة الإنقاذ التي هرعت إلى المكان.

 

لم تكن بيت حانون تنتظر فقط – كانت تحسب وتستدرج وتنفّذ. فوراً، تحوّلت المنطقة إلى مسرح ناري مغلق، سقط فيه الجنود بين قتيل وجريح ومحترق، دون أن يتمكن الجيش من فك الطوق أو الرد بشكل منظم.

 

وبحسب اعترافات جيش الاحتلال صباح اليوم التالي، أسفرت العملية عن مقتل 5 جنود على الأقل، وإصابة 14 آخرين، بينهم ضباط، وسط معلومات عن العثور على جثث محترقة بالكامل.

 

كمين مركب

ما يجعل كمين بيت حانون استثنائيًا ليس فقط عدد الإصابات، بل طريقته المركبة والزمن التكتيكي الفاصل بين الضربات:

 

العبوة الأولى: انفجرت تحت ناقلة الجنود.

 

الضربة الثانية: قذيفة مضادة للدروع أصابت روبوتًا عسكريًا محملًا بالذخيرة.

 

الثالثة: عبوة استهدفت آلية إنقاذ بعد وصولها بدقائق.

 

الرابعة: هجوم مباشر بأسلحة خفيفة وقنابل، استهدف من تبقى في محيط الكمين.

 

كل ذلك جرى خلال دقائق معدودة، وباستخدام تضاريس المنطقة كساتر، ما يدل على تخطيط استخباري متقدم، ومهارة تكتيكية قاتلة.

 

أصداء الكارثة: فوضى عسكرية ومروحية تنقل الجثث

وصف الإعلام الصهيوني الحدث بأنه "الأكثر صدمة منذ بدء الحرب”، في حين أفادت قنوات الاحتلال بأن الجيش فقد السيطرة على الميدان مؤقتًا، واضطر إلى تفعيل خط طوارئ جويّ لإجلاء المصابين عبر المروحيات.

 

وأكدت مصادر عسكرية أن الهجوم استهدف كتيبة "نتسح يهودا"، التي تضم مجندين من التيار الديني المتشدد، إلى جانب وحدة "يهلوم" المتخصصة بالهندسة والتفجير.

 

ونقل مراسلون ميدانيون أن صفارات الإنذار دوت في مناطق "غلاف غزة" بالتزامن، في ظل حالة ارتباك أمني، واحتمال بوقوع عمليات إضافية، بينما أُبلغ مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، بتفاصيل الكارثة خلال وجوده في واشنطن.

 

أصداء تدوي في الدوحة وواشنطن

 

الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، استهل تعليقه على العملية بالتأكيد أن صدى العملية يدوّي في الدوحة وواشنطن، في إشارة إلى المباحثات في العاصمة القطرية التي تجري للتوصل لوقف إطلاق النار، وكذلك لقاء الرئيس الأمريكي برئيس حكومة الاحتلال في واشنطن.

 

وأشار إلى أن العملية خرجت من بين الركام والدمار، وبدّدت ظلام بيت حانون، وحوّلت الأرض إلى فخ محترق التهم وحدة "الناحال" النخبوية ونيتسح يهودا.

 

وقال في تعليق على حسابه على فيسبوك: الكمين كان محكمًا، والصدمة مزلزِلة: خمسة قتلى وأكثر من عشرة مصابين – بعضهم تفحّمت أجسادهم، وحديث لا يتوقف عن جنود مفقودين.. في مشهد يعيد إلى الأذهان واقعة خان يونس، عندما التهمت النار الجنود قبل أن يلتقطوا أنفاسهم الأخيرة”.

 

القسام: سندكّ هيبة جيشكم

 

في أول تعليق للمقاومة، أعلن الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، أبو عبيدة، مسئولية الكتائب عن العملية، وقال في بيان ناري: "بيت حانون صارت فخًّا لكم… جثث وجنائزكم ستبقى تتنقل طالما ظل عدوانكم مستمرًّا… سندكّ هيبة جيشكم كما دمرتم بيوتنا".

 

وفي تصريح لاحق، أكد أبو عبيدة، أن عملية بيت حانون المركبة ضربةٌ إضافيةٌ سددها مجاهدونا الأشداء لهيبة جيش الاحتلال الهزيل ووحداته الأكثر إجراماً في ميدانٍ ظنّه الاحتلال آمناً بعد أن لم يُبقِ فيه حجراً على حجر.

 

بيت حانون قلب الصدمة

 

ما حدث في بيت حانون ليس كمينًا عابرًا، بل تحول نوعي في مسار المواجهة، المقاومة انتقلت من الدفاع والرد، إلى الاستباق والمباغتة، عبر مسرح عمليات يتغير في كل لحظة.

 

كما أن الكمين -وفق الخبراء- حمل رسالة مزدوجة: أن المقاومة قادرة على رصد وتفخيخ وتمويه في منطقة يعدها الاحتلال مؤمنة، وبالتالي فإن الوحدات الخاصة الإسرائيلية لم تعد آمنة، لا في خانات متقدمة ولا في خلفيات المعركة.

 

صفعة في التوقيت والمكان

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، أن الهجوم النوعي في بيت حانون يأتي في لحظة حرجة سياسيًا وعسكريًا، ويحمل دلالات عميقة على أكثر من صعيد، أبرزها ما يلي:

 

صفعة في واشنطن:

يتزامن الحدث مع وجود نتنياهو في العاصمة الأمريكية، في زيارة مفصلية تتعلق بمستقبل الحرب وصفقة التبادل، لتأتي الضربة من غزة وتحرجه أمام حلفائه وعلى رأسهم إدارة ترامب، وتؤكد أن المقاومة ما زالت تملك أوراق القوة.

 

استمرارية الفعل المقاوم:

الهجوم جاء بعد أيام من عملية مركبة في خانيونس، ليؤكد أن المقاومة ما زالت قادرة على التخطيط والتنفيذ من النقطة صفر، رغم مرور عام وتسعة أشهر على الحرب.

 

فضح الرواية الصهيونية

ادّعى الاحتلال أنه "مسح" بيت حانون عن الخارطة، لكن العملية من قلبها أثبتت زيف هذا الادعاء، وكشفت عن عجز استخباراتي وميداني كبير.

 

صراع داخل القيادة الصهيونية:

تأتي العملية في ظل شرخ متصاعد بين رئيس الأركان ونتنياهو والكابينت، ما يزيد الضغط على المؤسسة السياسية، ويبرز تآكل الثقة بين الجانبين.

 

فشل عربات جدعون

العملية كشفت هشاشة هذه المنظومة المتطورة، التي عجزت عن رصد التحركات أو منع تنفيذ الهجوم، ما يمثل انتكاسة أمنية جديدة.

 

ضربة لمشروع المنطقة العازلة:

قبل ساعات فقط، تحدث وزير الحرب "كاتس" عن إقامة منطقة عازلة شمال غزة، لكن عملية بيت حانون نسفت هذا الطرح، وأكدت أن اليد الطولى ما زالت للمقاومة.

 

مفاضلة صعبة: الأسرى مقابل القتلى:

في الوقت الذي يستعد فيه الاحتلال للإفراج عن 8 أسرى ضمن الصفقة، يخسر 8 جنود في ضربة واحدة. هذه الكلفة البشرية ستكون لها ارتدادات قاسية في الجبهة الداخلية الصهيونية.

 

وليست عملية بيت حانون حدثًا عابرًا، بل هي رسالة استراتيجية قاسية تؤكد فشل سياسة الحسم العسكري، وتعكس قدرة المقاومة على إدارة معركة استنزاف ذكية، تربك الاحتلال في التوقيت والميدان والتفاوض.ن

 

نار من تحت الصمت

 

بيت حانون، البلدة التي دُمرت أجزاء واسعة منها خلال العدوان، أظهرت أن تحت الركام ما زالت تنبض شبكة نار كاملة، وخريطة اشتباك لا تُقرأ من الجو.

 

كمين بيت حانون سيبقى علامة فارقة في هذه الحرب: ليس فقط لأنه أوجع الاحتلال عسكريًا، بل لأنه كسر هيبة من ظنّ أنه فوق الأرض وتحتها في آنٍ معًا.

 

لقد أثبتت غزة – مجددًا – أن القتال لا يكون بالسلاح وحده، بل بالعقل والصبر والخداع الميداني والقدرة على إيلام العدو في التوقيت الذي لا يتوقعه.