كشفت وكالة "أسوشييتد برس" في تقرير استقصائي مدعوم بشهادات ومقاطع فيديو، عن استخدام متعاقدين أمنيين أمريكيين للذخيرة الحية وقنابل الصوت ضد فلسطينيين كانوا يتدافعون للحصول على مساعدات غذائية في موقع تابع لما يسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" شمال القطاع.
وبحسب التحقيق الذي نقلته العربي الجديد، تحدث متعاقدان أمريكيان – طلبا عدم الكشف عن هويتهما – عن قيام زملائهم المدججين بالسلاح بإطلاق النار في الهواء وعلى الأرض، وإلقاء قنابل صوتية واستخدام رذاذ الفلفل لتفريق الحشود.
وصرّح أحد المتعاقدين بأن "بعض عناصر الأمن غير مؤهلين، ويبدو أنهم يتمتعون بصلاحيات مفرطة لفعل ما يشاءون"، فيما أشار الآخر إلى أنهم قدّموا شكوى رسمية احتجاجًا على ما وصفوه بـ"الممارسات الخطيرة".
كما أفاد أحد المصدرين بأن هؤلاء المتعاقدين يراقبون الفلسطينيين الباحثين عن الغذاء، ويوثقون من يُشتبه فيهم، ويتقاسمون هذه المعلومات مع جيش الاحتلال، ما أدى إلى "إلحاق أذى مفرط بأشخاص أبرياء دون مبرر".
وتضمّن التقرير تسجيلات مصورة تُظهر عناصر أمن وهم يناقشون كيفية تفريق الحشود ويشجعون بعضهم على استخدام القوة. وتُظهر المقاطع دوي إطلاق نار، وانفجارات قنابل صوتية، ورش رذاذ الفلفل على المدنيين المتجمهرين للحصول على الطعام.
وتُعرّف وكالة "أسوشييتد برس" ما يسمى مؤسسة "غزة الإنسانية" بأنها منظمة أمريكية حديثة التأسيس مدعومة من إسرائيل، تسعى إلى توزيع الغذاء في غزة، وقد تعهّدت الحكومة الأمريكية بتقديم 30 مليون دولار لها، برغم الغموض الذي يحيط ببقية مصادر تمويلها."
وفي تعليقها على التقرير، زعمت شركة (Safe Reach Solutions)، المتعاقدة مع المؤسسة لتأمين الموقع، عدم وقوع "أي حوادث خطيرة"، وأكدت أن إطلاق الذخيرة تم "بعيدًا عن المدنيين" في الأيام الأولى، بهدف السيطرة على الحشود وضمان سلامة الجميع.
يأتي هذا بينما يستمر الاحتلال الصهيوني في فرض حصاره على قطاع غزة، حيث يمنع منذ أكثر من ثلاثة أشهر دخول الغذاء والدواء والمياه بزعم استيلاء حركة حماس عليها، في محاولة لإقصاء وكالات الأمم المتحدة واستبدالها بجهات أخرى، رغم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع المحاصر.
غياب التهديدات الأمنية
وقال المقاول الذي شارك مقاطع فيديو مع وكالة أسوشييتد برس إن الفلسطينيين الذين وصلوا إلى مواقع المساعدات ذكروا أنهم "عالقون بين النيران الإسرائيلية والأمريكية"، وأن أحدهم تساءل: "لماذا تطلقون النار علينا؟ لماذا يطلق الجيش (الإسرائيلي) النار علينا، لقد جئنا للحصول على طعام لعائلاتنا وليس لدينا شيء آخر".
بينما نقلت وكالة أسوشييتد برس عن متعاقدَين مع شركة يو جيه سوليوشنز UG Solutions، وهي إحدى شركات المقاولات الأمنية المتعاقدة لتوزيع المساعدات، بأنهما قالا إن "الرصاص والقنابل الصوتية ورذاذ الفلفل استخدم في كل عملية توزيع للمساعدات تقريبا حتى في حال غياب أي تهديد".
وذكرت "أسوشييتد برس" أن مقاطع الفيديو التي شاهدتها الوكالة "يبدو أنها تدعم شهادات المتعاقدين"، وكشفت أنه جرى التقاط هذه المقاطع خلال أول أسبوعين من عمليات التوزيع.
وفي أحد الفيديوهات ناقش "من يبدو أنهم متعاقدون أمنيون أميركيون مدججون بالسلاح كيفية تفريق الفلسطينيين القريبين"، وسمع صوت أحدهم يذكر ترتيب "استعراض للقوة من قبل الدبابات الإسرائيلية"، وانطلقت رشقات نارية بما لا يقل عن 15 طلقة، وقال أحدهم: "أعتقد أنني أصبت أحدا".
وقال المقاول الأمني الذي صور الفيديو لوكالة "أسوشييتد برس" إنه رأى مقاولين أمنيين آخرين يطلقون النار باتجاه الفلسطينيين الذين "كانوا يغادرون بعدما حصلوا على طعامهم للتو"، مضيفا أنه لم يكن واضحا سبب استمرارهم في إطلاق النار بينما كان الناس يبتعدون"، وذكر أنه رأى رجلا على بعد 60 مترا في مرمى الرصاص يسقط أرضا.
فيما كشفت الوكالة، وفقا لرسالة نصية داخلية تمت مشاركتها معها، أنه خلال عملية توزيع واحدة في يونيو، استخدم المقاولون الأمنيون 37 قنبلة صوتية و27 قذيفة مطاطية ودخانية و60 عبوة رذاذ فلفل، وذكر المقاول أن "هذا العدد لا يشمل الذخيرة الحية"، وقدم صورة لإصابة امرأة على عربة يجرها حمار.
بينما كشف تقرير داخلي صادر عن الشركة الأمنية سيف ريتش سوليوشنز أن طالبي المساعدات أصيبوا خلال 31% من عمليات التوزيع التي جرت خلال أسبوعين في يونيو، ولم يحدد التقرير عدد الإصابات أو سببها، ونقلت "أسوشييتد برس" عن المنظمة أن الشركة تشير إلى إصابات غير خطيرة.
التحليل الصوتي للفيديوهات
في غضون ذلك، تحققت الوكالة من الفيديوهات وحددت الموقع الجغرافي لها باستخدام صور جوية، واستعانت بخبيرين في الأدلة الجنائية الصوتية، وأكدا أنه لا يوجد ما يشير إلى أن صوت الفيديوهات تم التلاعب به، وأن إطلاق النار والقنابل يشير إلى أن البنادق كانت تطلق في اتجاهات مختلفة. وقال أحد المتعاقدين للوكالة إنه خلال عمله في المواقع لم يشعر بأي تهديد حقيقي من قبل حركة حماس، في الوقت الذي أشار فيه التقرير إلى أن منظمة سيف ريتش سوليوشنز تقول إن "حماس هددت عمال الإغاثة والمدنيين الذين يتلقون المساعدات"، ولم تحدد المنظمة التهديد الذي تعرض له الأشخاص.
كما قال المتعاقدان للوكالة إن محللين أمريكيين وجنودا إسرائيليين يعملون جنبا إلى جنب، وأكدا أن "المحللين الأمريكيين والجنود الإسرائيليين يجلسون في غرفة تحكم معا؛ حيث يتم عرض اللقطات آنياً، وأن غرفة التحكم موجودة في حاوية شحن على الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم إلى غزة.
وقال أحد المتعاقدين الذي صور الفيديوهات: "الجيش الإسرائيلي يستغل نظام التوزيع للوصول إلى المعلومات.. وبعض الكاميرات مجهزة ببرامج التعرف إلى الوجوه”، وأن “اللقطات التي حصلت عليها الوكالة وتحمل تصنيف تحليلات هي المواقع التي تحتوي على برامج التعرف إلى الوجوه، وأن الجنود الإسرائيليين يراقبون الأشخاص الذين يطلق عليهم وصف (مهمين) ويدونون ملاحظاتهم ويقارنون المعلومات بلقطاتهم"، وأنه "لا يعرف مصدر البيانات في برنامج التعرف إلى الوجوه.
وبرغم اطلاع "أسوشييتد برس" -حسبما ذكرت- على تقرير داخلي لشركة سيف ريتش سوليوشنز يقول إن "فريق الاستخبارات التابع لها سيوزع على الموظفين ما يظهر صوراً للأشخاص الذين يطلق عليهم وصف مهمين في مواقع المساعدات"، إلا أن الشركة نفت الاتهامات بجمع معلومات استخبارية، وأنها لم تنسق مع جهات الاحتلال. بينما ذكر مقاول أن الشركة نفسها طلبت منه ومن موظفين آخرين تصوير بعض الأشخاص الذين كان مطلوبا الحصول على معلومات عنهم، مضيفا أن الصور أضيفت لقاعدة بيانات التعرف إلى الوجوه.
لا قواعد لإطلاق النار
ووظفت شركة "يو جيه سوليوشنز" مئات المقاولين الذين وصلوا إلى إسرائيل في منتصف مايو، وذكر المقاولان لوكالة "أسوشييتد برس" أن هؤلاء لم تكن لديهم خبرة قتالية ولم يتلقوا تدريبا كافيا، وأن شركة سيف ريتش سوليوشنز لم تزود الموظفين بمسودة قواعد الاشتباك إلا بعد ثلاثة أيام من بدء التوزيع، والتي نصت على أنه لا يجوز استخدام القوة المميتة إلا في حالة الضرورة القصوى، ويجوز استخدام الأسلحة غير المميتة في الحالات القصوى ضد الأفراد العزل الذين يمارسون العنف الجسدي.
وذكرت الوكالة أنه "لا يبدو أن الفلسطينيين الذين ظهروا في مقاطع الفيديو عدوانيين جسديا، بينما قالت منظمة سيف ريتش سوليوشنز إن مناوشات وقعت بين حين وآخر في المواقع لكن لم يشارك فيها أي من موظفيها"، بينما كشف المقاول الذي صور مقاطع الفيديو أن كل متعاقد كانت لديه "بندقية آلية إسرائيلية الصنع قادرة على إطلاق عشرات الطلقات في ثوان، ومسدس وقنابل صوتية وغاز مسيل للدموع".
في حين قال درو أوبراين، المتحدث باسم شركة يو جيه سوليوشنز، إن "الشركة لم تكن على علم بمقطع الفيديو الذي يظهر إطلاق النار من شخص يعتقد أنه متعاقد مع الشركة"، في حين نقلت الوكالة عن المتعاقدين قولهما "إذا استمرت المنظمة على هذه الطريقة فسيستمر تعرض طالبي المساعدة الأبرياء للإصابة، وربما القتل دون داع".