ربما لو استمعت لكلماته دون أن تعرفه، لظننتَه شيخًا واعظًا يواسي أحد المكلومين من ذوي الشهداء، أو أنه يتحدث عن فضل الشهادة في سبيل الله، ليُهوّن على أب فقد ولده، أو أخ فقد أخاه، لكن الدهشة تسود الموقف عندما تدرك أنه يواسي نفسه لا غيره، وأن المفقود هو ولده، وليس أحدًا آخر، وأن فقيده ليس واحدًا ولا اثنين، بل ودّع ثلاثة من أبنائه، دون أن يُبدي شيئًا من الجزع.. إنه الشيخ الغزّي باهي رمضان الداهوك.
رجلٌ بسيط في هيئته، رقيق في مُحيّاه، لا تفارق وجهه البسمة، لكنه يملك ثباتًا أذهل الكثيرين الذين يعلمون أن مصابه ليس هيّنًا، وأن قلبه تقطّع بفراق أحب الناس إليه، لكنه أصرّ على أن يقابل ذلك بالرضا الجميل، واحتساب الأجر، وانتظار المثوبة في الآخرة، وإظهار القوة في وجه المحتلين الذين يريدون كسر غزة ورجالها بجرائمهم المستمرة.
الشهيد الثاني
ففي الـ 28 من يونيو الماضي، استشهد الشاب مدين باهي الداهوك، في قصف صهيوني استهدف محيط شارع يافا بحي التفاح بمدينة غزة، ليلتحق بشقيقه موسى الذي استشهد مطلع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 ، بالإضافة إلى شقيقهم الثالث الذي توفي في حادث سيارة عام 2014.
وفي كل محنة يمر بها الشيخ باهي يُعبّر عن صبره واحتسابه لمصابه؛ حيث نشر في وقت سابق من عام 2024 فيديو من منزله الذي هدمه جيش الاحتلال الصهيوني، كما نشر تدوينة على فيسبوك بعد استشهاد ابنه الثاني، ذكر فيها أن له ابنًا ثالثًا توفي إثر حادث سير عام 2014، لكنه عفا عمن تسببت في موته.
رمز الصمود
ويُعدّ الشيخ الداهوك أحد الوجوه التي مثّلت رمزًا لسكان غزة في التعبير عن الصمود منذ بداية العدوان الصهيوني على غزة؛ حيث اشتهر بكلمات الثبات التي قالها عقب استشهاد ولده موسى، وظلت عباراته عنوانًا على صبر هذا الشعب وثباته.
"ما تعيطش يا زلمة.. كلنا شهداء.. كلنا مشاريع شهداء".. سجّلت الكاميرات هذه الكلمات من الشيخ باهي عقب استشهاد ابنه موسى في أوائل أيام العدوان على غزة، وتناقل الغزيون هذه العبارات لتصبح نموذجًا يستحضره كل من فقد أحدًا من ذويه تحت نيران العدوان الصهيوني.
صبر واحتساب
لم تكن هذه الكلمات هي آخر مواقف الشيخ باهي، كما أن محنته في فقد ولده موسى لم تكن نهاية لأوجاعه؛ ففي قصف صهيوني آخر استهدف محيط شارع يافا بحي التفاح بمدينة غزة مطلع هذا الأسبوع، استشهد ولده مدين، ليقف الشيخ باهي أمام جثمانه ويردد من جديد كلمات أخرى تؤكد ثباته وصبره على قضاء الله؛ حيث قال: "احتسبت فلذة كبدي عندك يا الله.. اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها.. يا رب إني راضٍ عنك فارض عني".
وأضاف الداهوك في رثائه لولده: "نحن نربي أبناءنا لأحسن مستقبل ينتظرهم، وهو الشهادة في سبيل الله، وأعظم أجر يمكن يناله المسلم هو أن يموت في سبيل الله؛ حيث هي المنزلة التالية لمنازل الأنبياء"، وقال: "إن هذه (غزة) أرض جهاد ورباط، وكل من يموت عليها فإنا نحتسبه شهيدًا وإن مات على فراشه".
عفو مقابل فضيلة
يحكي الشيخ باهي عن ابتلاءاته في فقد أبنائه قائلا: "عندما جاءني ابني وقال لي إن أخي استشهد، قلت له: الحمد لله، وقدّر الله وما شاء فعل.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. هكذا علمنا رسول الله ﷺ"، مضيفًا أن ولده مدني هو الفقيد الثالث بعد أخويه.
وتابع: "كان لي ولد توفي في حادث دعس بسيارة عام 2014 .. وفي نفس اليوم أرسلت للفتاة التي دعسته، وأنا في داخل المستشفى، وقلت لها: "أنا مسامحك مقابل إنك تتحجبي"، وأعتقتها لوجه الله بدون أي مقابل"، مضيفًا أن "الثبات يكون من عند الله وليس (شطارة)، حسب تعبيره.
استشهد جائعًا
وقال الداهوك عن سبب صموده وثباته: هذه أرضنا.. هذه بلدنا.. وهذا قضاء الله وقدره.. احنا قاعدين في الأرض هذه بفضل الله، والله سيثبتنا وينصرنا.. الوضع صعب.. والمجاعة؟ حدّث ولا حرج، والشهداء؟ مصايد الموت اللي بيقولوا عنها مساعدات إنسانية، ولكنها مصايد موت”، مشيرًا إلى أن ابنه مدين حين استشهد كان وجهه شاحبًا من شدة الجوع.
يشار إلى أن الاحتلال كان قد قصف منزل الشيخ باهي في نوفمبر الماضي، وحينها وقف على ركام منزله يعلن صبره واحتسابه على مصابه، ويستنكر تخاذل الأمة العربية وصمت العالم عن المجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق النساء والأطفال دون رادع.