خلص تقرير سياسي إلى أن حرب الإبادة الصهيونية التي تشنها سلطات الاحتلال على قطاع غزة منذ 19 شهرًا، تعبر عن سياق تصاعدي لتوظيف التقنيات التكنولوجية والرقمية ضمن نهج عسكري تدميري غير مسبوق.

 

وسلط المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، الضوء على تورط الشركة العالمية "مايكروسوفت" الأمريكية متعددة الجنسيات في توظيف التقنيات التكنولوجية والرقمية لخدمة جيش الاحتلال الصهيوني في حرب الإبادة، عبر توظيف نموذج الذكاء الاصطناعي (تشاب جي بي تي 4) من شركة (أوبين إي آي).

 

وأوضح التقرير الذي استند للعديد من التحقيقات الاستقصائية، أن "إسرائيل وعلى مدار سنوات احتلالها وظفت العديد من الوسائل والأدوات ضمن إستراتيجية "إدارة سكان الأراضي المحتلة"، وقد شهدت هذه الإستراتيجية في السنوات الأخيرة تضميناً متزايداً للتقنيات والوسائل التكنولوجية والرقمية، التي باتت محوراً رئيساً في هذه الإستراتيجية ضمن مراقبة الفلسطينيين وتعقبهم.

 

وقال: "يُلاحظ التوظيف المتزايد وغير المسبوق لتقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات التعلم الآلي في تحليل كميات ضخمة من البيانات المستجدة والسابقة في عملية تغذية مستمرة لبنك أهداف تم تطويره على مدار السنوات الماضية، لكن بمستوى آلي أكبر يجعل من عمليات القتل الجماعي ممكنة بسرعة تفوق قدرات العنصر البشري”.

 

ولفت تقرير مدار إلى أن هذه التقنيات لم تعد مجرد أدوات ثانوية، أو مساعدة، بل تحولت -في العديد من الحالات- إلى أداة رئيسة ضمن إستراتيجية شاملة تجمع بين المراقبة السيبرانية، والتعرف البيومتري (تقنيات التعرّف إلى الوجه)، والذكاء الاصطناعي كأنظمة لجمع البيانات وتحليلها ومعالجتها، وتحليل السلوكيات باستخدام خوارزميات متقدمة.

 

واستند التقرير إلى ما كشفت عنه وثائق مسرّبة حصلت عليها صحيفة الغارديان البريطانية عن توظيف شركة "مايكروسوفت" ضمن المجهود الحربي الصهيوني، بهدف تلبية الطلب المتزايد على الأدوات المستندة إلى السحابة والذكاء الاصطناعي.

 

وأظهرت الوثائق التي تم الكشف عنها في سياق تحقيق مشترك بين الجارديان و"سيجا ميكوميت" و"مجلة 972+" عن معاملات بقيمة 10 ملايين دولار على الأقل، شملت آلاف الساعات من الدعم الفني والتقني من الشركة، واعتماد المنظومة الأمنية- العسكرية الإسرائيلية الكبير على المنصة السحابية للشركة (Azure)، خاصة سلاحي الجو والبحرية وشعبة الاستخبارات العسكرية لإدارة الملفات والبريد الإلكتروني الخاص بالمستخدمين وغيرها.

 

وبين التقرير أن استهلاك جيش الاحتلال الصهيوني لخدمات (Azure) ارتفع بنسبة 60% في الأشهر الستة الأولى من الحرب مقارنة بالأشهر الأربعة السابقة للحرب، علاوة على استخدام نظام  (Rolling Stone) المدعوم من منصة  (Azure) السحابية، لإدارة سجلات المواطنين الفلسطينيين وتتبّع تحركاتهم في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

بالإضافة إلى الخدمات السحابية المتقدمة لمنصة  (Azure)، أفاد تقرير مدار بأن الشركة منحت جيش الاحتلال الإسرائيلي إمكانية الوصول إلى نموذج الذكاء الاصطناعي (تشات جي بي تي 4)، وتحديداً للوحدات الاستخبارية، مثل: وحدتي 8200، و9900، ضمن عمليات حساسة ومعقدة شملت خدمات الترجمة والتحليل الصوتي والنصي، بهدف تحليل البيانات الضخمة المستمدة من المراقبة الجماعية، وقد ازداد استهلاك أدوات الذكاء الاصطناعي بمقدار 64 ضعفاً بحلول آذار 2024.

 

اعتراف لأول مرة

 

وواجهت "مايكروسوفت" الاحتجاجات المعروفة باسم (No Azure for Apartheid)، والتي وصلت ذروتها خلال احتفال الشركة بالذكرى الخمسين لتأسيسها في إبريل الماضي، بطرد مهندستين بسبب احتجاجهما على تورط الشركة في حرب الإبادة على غزة، وبالتأكيد على التزامها بسياسات "الاستخدام الأخلاقي" مع إشارتها إلى وجود "رؤية محدودة" لكيفية استخدام تقنياتها على خوادم العملاء.

 

وأشار تقرير مدار إلى أن "مايكروسوفت" عادت مؤخراً وأقرّت، لأول مرة، بتقديم خدمات تكنولوجية لجيش الاحتلال خلال حرب الإبادة، وذلك في بيان نشرته بعد تعرضها لضغوط من موظفين ونشطاء مؤيدين للفلسطينيين، لكنها أكدت أن هذه العلاقة تُعد "تجارية بحتة"، وأن استخدام التكنولوجيا يخضع لسياسات الاستخدام المقبول ومدونة قواعد السلوك الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والتي تحظر الاستخدام الضار لها.

 

شركاء على مسرح الإبادة

 

وشدد التقرير على أن ما تكشّف حتى الآن من مؤشرات على تورط شركات تكنولوجية عالمية كبرى، يشير إلى أن الأخيرة ليست بعيدة عن مسرح الإبادة المستمرة في غزة، بل إن هذا التورط قد يتجاوز الدعم غير المباشر ليصل إلى حد الشراكة الفعلية الكاملة عبر توفير أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنياته.

 

وأضاف: "يتعزز هذا الاتجاه في التفكير مع تزايد اعتماد الجيش الإسرائيلي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والبرمجيات المختلفة في حرب الإبادة”.

 

وخلص تقرير "مدار" إلى أنه مع تزايد الاحتجاجات الداخلية في هذه الشركات، والشهادات التي يقدمها بعض موظفيها، إلى جانب ما تكشف عنه التقارير والتحقيقات الاستقصائية للمؤسسات الحقوقية والمراكز البحثية ذات الصلة، ستكشف خلال الفترة المقبلة عن الشراكة غير المعلنة لهذه الشركات في حرب الإبادة، وستُسقط عنها ادعاءات "الابتكار لخدمة الإنسان" أمام أهداف الابتكار لخدمة الأرباح والحروب والأغراض السياسية المتكاملة مع الأنظمة الحديثة، لا سيما الاستعمارية منها.