عبد الحميد صيام
النكبة الفلسطينية تستكمل عامها السابع والسبعين في ظل حرب إبادة في قطاع غزة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. ومن المهم أن نؤكد أن المسافة بين الحدثين الأعظمين، لم تكن إلا سلسلة من المجازر والاقتلاع والتشريد والحروب والغارات، والاستيلاء على مزيد من الأرض، واقتلاع المزيد من السكان الأصليين. فلا الذي تمسك بأرضه نجا من المجازر، ولا الذي اضطر إلى التشرد واللجوء استطاع أن يعيش حياة عادية في دول اللجوء والشتات.
لقد مزقت النكبة نسيج الشعب الفلسطيني لكنها لم تقتله ولم تخمد روح الانتماء لوطنه الذي قُسم إلى ثلاث شظايا توزعت بين إسرائيل ومصر والأردن. لكن هذا الشعب العنيد ما لبث أن عاد إلى ساحة النزال بعد عام 1965 مسلحا بروح التحدي، والمقاومة، والصمود، والأمل.
الخطأ الذي وقع فيه الفلسطينيون والعرب هو الاعتقاد أن هناك إمكانية للتعايش مع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي العنصري، الذي مثلته إسرائيل كقاعدة وظيفية متقدمة للدول الاستعمارية جميعها. اعتقدت القيادات العربية، ثم الفلسطينية، أن هناك إمكانية للتوصل إلى حل سلمي مشرف سمي «سلام الشجعان» واسترجاع الحقوق إن لم يكن كلها فمعظمها، عن طريق المفاوضات وتقديم التنازلات.
لقد أثبتت الوقائع على مدى السنوات السبع والسبعين الماضية، أن العقلية الصهيونية ثابتة في أهدافها الاستراتيجية وهي، الاستيلاء على أرض فلسطين كلها وطرد الغالبية الساحقة من سكانها إن لم يكن دفعة واحدة فعلى مراحل. ولهذا لم يحدد الكيان عند إعلانه الاستقلال مساء 14 مايو 1948 حدود الدولة ولم يكتب لها دستورا، فمن بديهيات أي دستور أن يحدد جغرافيا الدولة. وقد أكد هذا بن غوريون في قولته الشهيرة عن أسباب عدم النص على حدود الدولة: «حدودها حيث تصل بساطير قوات جيش الدفاع».
لقد اتخذت إسرائيل في مسيرتها لتحقيق أهدافها 3 مسارات أساسية متكاملة ومترابطة: الحروب، الكبرى والصغرى، والمجازر بما في ذلك التصفيات والاغتيالات، والاستيلاء على الأرض. وسنحاول أن نقدم نماذج للتوضيح.
■ أولا – الحروب: لم تتوقف آلة الحرب الصهيونية بعد عام 1948، بل استمرت في إشعال البارود في المنطقة بأكملها. ونذكر من تلك الحروب المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ثم حرب يونيو 1967 التي بدأتها إسرائيل وأدت إلى احتلال الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية وسيناء المصرية، ثم خاضت مع مصر حرب الاستنزاف من منتصف عام 1968 إلى منتصف عام 1970. ثم جاءت حرب رمضان 1973 على الجبهتين السورية والمصرية، التي حولت النصر العسكري إلى هزيمة سياسية كبيرة بعد خروج مصر من ساحة الصراع، وتوقيع أول معاهدة سلام مع أكبر دولة عربية. وبعد ذلك قامت إسرائيل عام 1982 بحرب على الجبهة اللبنانية وصلت فيها إلى بيروت. لكنها اضطرت لأن تنسحب بالتدريج، وأبقت الشريط الحدودي منطقة عازلة إلى أن أرغمت على الانسحاب المذل عام 2000.
ثم جاءت سنوات الانتفاضة الأولى 1987-1993 والثانية 2000-2005 وما ارتكب فيهما من مجازر. وقد أعاد آرييل شارون احتلال المدن الفلسطينية عام 2002 التي أخليت بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.
وعلى الجبهة اللبنانية خاضت إسرائيل حرب 2006 ضد قوات «حزب الله» في جنوب لبنان، التي استمرت 33 يوما..
■ ثانيا – الحروب على غزة: تعرض قطاع غزة منذ 2006 وحتى اليوم لعدد من الحروب شبه متواصلة ابتداء من عملية غيوم الخريف في بيت حانون في نوفمبر 2006 بعد أسر الجندي جلعاد شاليط، ثم عملية الرصاص المصبوب بين 27 ديسمبر 2008 و18 يناير 2009، وعملية عامود السحاب – من 14- 22 نوفمبر 2012، وعملية الجرف الصامد بين 7 يوليو و26 أغسطس 2014. ثم مواجهات مسيرات العودة 2018-2019 فمعركة «سيف القدس» في مايو 2021 وصولا إلى 7 أكتوبر 2023.
■ ثالثا – المجازر والاغتيالات والغارات: لم تتوقف إسرائيل عن ارتكاب المجازر ليس فقط خلال حرب 1948 وما بعدها مثل مذابح دير ياسين والطنطورة والدوايمة واللد وغيرها، ولكن بعد إعلان قيام الدولة، ولطول القائمة نذكر منها مذبحة قبية في الضفة الغربية عام 1953، ومذبحة كفر قاسم عام 1956 ومذبحة السموع عام 1966 ومذبحة بحر البقر في مصر في أبريل 1970، ومذبحة صبرا وشاتيلا 16-18 سبتمبر 1982، ومذبحة حمام الشط في تونس أكتوبر 1985. ومذبحة قانا الأولى 1996 والثانية 2006 في جنوب لبنان ومذبحة مخيم جنين عام 2002. هذا عدا عن مئات الغارات والاغتيالات وتدمير المنشآت مثل تدمير مجمع العراق النووي في سبتمبر 1981.
■ رابعا- الاستيلاء على الأرض: لم تتوقف إسرائيل عن نهب مزيد من الأرض سواء في الضفة الغربية والقدس بعد عام 1967، وكذلك الاستيلاء على عدة قرى في جنوب لبنان منذ عام 1948، وضم هضبة الجولان رسميا عام 1981. أما الاستيطان في الضفة الغربية وغزة لغاية (2005) فما فتئ يتسع لغاية اليوم حيث تسيطر إسرائيل فعليا على أكثر من نصف أراضي الضفة الغربية وإذا ضمت منطقة (جيم) التي تشكل 60 في المائة من أراضي الضفة الغربية لا يبقى أي معنى لإقامة دولة فلسطينية، وهي ما تسعى إليه بشكل مستمر.
المصدر: القدس العربي