فاجأت حكومة الانقلاب المستهلكين، الجمعة، بزيادة أسعار أنواع المحروقات كافّة، بنسب تتراوح ما بين 11% إلى 40%، في قرار مفاجئ أصدرته لجنة تسعير الوقود برئاسة حكومة الانقلاب وعضوية وزراء البترول والكهرباء والمالية والداخلية والتموين والتنمية المحلية.

 

وفرضت اللجنة الأسعار الجديدة اعتباراً من السادسة صباح الجمعة، لترفع أسعار البنزين بمعدل جنيهين للتر، ليصعد بنزين 95 أوكتين من 17 إلى 19 جنيهاً، وبنزين 92 من 15.25 إلى 17.25 جنيهاً، وفئة 80 أوكتين من 13.5 إلى 15.5 جنيهاً، والكيروسين من 13.50 إلى 15.50 جنيهاً، ورفعت اللجنة سعر المازوت لصناعة الطوب والشركات العامة والخاصة عدا المورّد لمحطات توليد الكهرباء وصناعة الخبز التمويني المدعّم بقيمة ألف جنيه، ليرتفع طنّ المازوت من 9500 جنيه إلى عشرة آلاف و500 جنيه.

 

ووجهت اللجنة أكبر نسبة من الارتفاعات في سعر طنّ الغاز الصبّ الموجَّه إلى المصانع ومستودعات الغاز الموجَّه إلى الشركات وإعادة التعبئة لأنابيب الغاز المنزلية والقطاعات الصناعية والإنتاجية، لتصل إلى 40% من القيمة، إذ رفعت سعر طنّ الغاز من 1200 جنيه إلى 1600 جنيه، وزادت سعر المليون وحدة حرارية لقمائن صناعة الطوب من 190 إلى 210 جنيهات، ورفعت اللجنة سعر أسطوانة البوتاغاز المستخدم للأغراض المنزلية والطهي وزن 12.50 كيلوغراماً من 150 إلى 500 جنيه، بنسبة 25%.

 

وتسبّب القرار في إحداث حالة من الارتباك في محطات الوقود، إذ جاء بصورة مباغتة للمستهلكين، بعد تأجيل لجنة التسعير تطبيق الزيادة خلال إجازة عيد الفطر، انعكاس المحروقات على التضخم

 

في استباق أمني للحدّ من اضطراب حركة سيارات الأجرة والنقل على الطرق، منحت حكومة الانقلاب للمحافظين سلطة تعديل تعرفة ركوب سيارات الأجرة بين المحافظات وداخل المدن، في حدود تتراوح ما بين 10% إلى 15%، مع تشديد الرقابة الأمنية على مواقف السيارات الرئيسية، ودفع قائدي السيارات للعمل، لمنع ارتباك حركة السفر، التي تشهد ذروتها خلال الساعات المقبلة، مع ارتداد المسافرين من المناطق الحضرية إلى مناطق أعمالهم بالمدن الكبرى والعاصمة، مع بداية الأسبوع.

 

ويتوقع اقتصاديون أن تدفع زيادة أسعار المحروقات معدلات التضخم بنسبة تصل إلى 5%، يظهر أثرها خلال شهر مايو المقبل، متأثرة بدفع زيادة المحروقات لموجة غلاء جديدة، تبدأ برفع فوري لسعر الخبز الحر والسلع الغذائية والمشروبات والشحن ومستلزمات الإنتاج، لتنقل زخمها إلى أسواق السلع والخدمات كافة، خلال شهرَي مايو ويونيو المقبلَين.

 

يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد خزيم لـ "العربي الجديد" أن إصرار الحكومة على زيادة سعر المحروقات، دون الالتفات إلى موجات الغضب الشعبي من الغلاء، وتحذير المستثمرين من خطورة زيادة معدلات التضخم على تعميق أزمة الركود في القطاعات الإنتاجية، يعكس غياب الرؤية الاقتصادية، واستمرارها في السير على نفس النهج الخاطئ للحدّ من التضخم وأزمة نقص الدولار، الذي تمضي فيه منذ سنوات برفع أسعار السلع والخدمات والضغط على الجنيه بخفض قيمته مقابل الدولار والعملات الصعبة، بما يهبط بالقوة الشرائية للمواطنين، ويزيد الأعباء على القطاع الإنتاجي المستمر في منحنى الركود منذ 58 شهراً، ويحبط قدرته على زيادة الإنتاج ومعدلات التصدير.

تأثير على الفائدة

 

يشير محللون إلى أن رفع أسعار المحروقات، مع صعود معدلات التضخم خلال شهر مارس الماضي، لن يسمحا للبنك المركزي بخفض الفائدة مع اجتماع لجنة السياسات النقدية نهاية الأسبوع الجاري، بما يكبح رغبة الحكومة في إخراج السيولة المتراكمة بالبنوك خارج القطاع المصرفي، وتنشيط الاستثمارات الخاصة، التي تعاني من ارتفاع الفائدة والتضخم وصعوبة تدبير الدولار.

 

وتبلغ معدلات الفائدة بـ"المركزي" 27.25% بين البنوك، وتتراوح ما بين 28% إلى 32% للقطاعات الصناعية والاستهلاكية، بينما قفز التضخم من 12.8% خلال فبراير إلى 13.6% في مارس 2025، بعد فترة تراجع استمرت ستة أشهر متصلة.

تأتي زيادة المنتجات البترولية في اتجاه معاكس مع تراجع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، التي هبطت بمتوسط سعر برميل النفط بنحو عشرة دولارات خلال الشهر الجاري، مع مخاوف من هبوطها إلى مستويات قياسية خلال 2025 إلى أقل من 60 دولاراً للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى خفض توقعاتها لمتوسط سعر برميل النفط من 85 دولاراً إلى 74 دولاراً في تقديرات موازنة 2025-2026. تعكس القرارات التزام حكومة الانقلاب باتفاق مسبق مع صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن المحروقات بنهاية 2025، ولجوئها إلى إزالة 75 مليار جنيه من الدعم الموجَّه لقطاع الطاقة في الموازنة المعروضة أمام البرلمان لإقرارها قبيل يوليو المقبل، بما يمثل 50% من إجمالي قيمة الدعم المدرج في الموازنة الحالية 2024-2025، مستهدفة بيع المحروقات بسعر التكلفة الاقتصادية للصناعات والجهات الخدمية كافّة.

 

ويشير الخبير الاقتصادي أحمد خزيم إلى رغبة المستثمرين الأجانب في رفع العوائد المتراجعة نتيجة انخفاض الإنتاج المحلي من الغاز والنفط، وتأخر الحكومة في دفع مستحقات الديون بصفة منتظمة. يبدي خزيم قلقاً من تسبُّب الزيادة المقبلة لأسعار الوقود في صعود معدلات التضخم، إذ تدفع أسعار المحروقات إلى زيادة هائلة في أسعار النقل والمواصلات والزيوت والخدمات العامة.

تراجع الجنيه

 

كانت شركة "التعاون للبترول" الحكومية قد رفعت أسعار زيوت المحركات وتشحيم السيارات، أول إبريل الجاري، بنسبة تصل إلى 25%، وانفردت الشركة العامة التابعة لوزارة البترول بتطبيق الزيادة الجديدة، التي تأتي عادة مصاحبة لرفع أسعار المحروقات، دون باقي الشركات العامة والتابعة للقطاع الخاص المصري والأجنبي، في زيادة تُعد الرابعة من نوعها، منذ التعويم الأخير للجنيه في مارس 2024، الذي تسبب في خفض قيمته أمام الدولار بنسبة 40%.

 

وتوقّع محلّلون أن تلجأ شركات توريد وإنتاج الزيوت إلى رفع أسعار منتجاتها خلال أيام، متأثرة بزيادة أسعار المحروقات والزيوت في الشركات الحكومية. تأتي قرارات رفع المحروقات في وقت يشهد الجنيه تراجعاً جديداً أمام الدولار، الذي ارتفع إلى 51.75 جنيهاً نهاية الأسبوع، وعودة القطاع الإنتاجي غير النفطي إلى منطقة الركود وفقاً لمؤشر ستاندرد آند بورز لشهر مارس الماضي، مدفوعاً بزيادة الدولار وتراجع الطلب على المشتريات والتضخم، مع ارتباك حكومي لتمويل صفقات شراء الغاز التي تضاعفت خمس مرات خلال العام الجاري، جرّاء تراجع الإنتاج المحلي، وصعوبة تدبير نحو 15 مليار دولار تمثل قيمة صفقات الغاز، ودفع حصة الشركاء الأجانب في الآبار المصرية عام 2025، وتلويح الكيان الصهيوني بخفض كميات الغاز للشبكة الوطنية عن المعدلات المستهدفة خلال الصيف، طلباً لرفع الأسعار والضغط على مصر لقبول التهجير القسري للفلسطينيين من غزة.