د. توفيق زبادي
فضَّلَ اللهُ عزَّ وجلَّ شَهرَ رمَضانَ على سائرِ الشُّهورِ؛ حيثُ شرَّفه بإنزالِ القرآنِ فيه، وخَصَّه بفَريضةِ الصَّومِ، وجَعَلَه مَوسِمًا مِن مَواسمِ الخَيرِ والغُفرانِ.
روى البخاري بسنده عن أبي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»([1]).
والصوم: هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده؛ فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته؛ فتصيره بمنزلة من لم يصم.
والصائم: هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث؛ فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعاً صالحاً، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور، والكذب، والفجور، والظلم.
ولقد اقترن الصيامُ بالجهاد في تاريخنا الإسلامي، حتى كأنهما صنوان لا يفترقان.
وكذلك اقترنا في أسلوب فرضهما، وغايتهما، وثوابهما.
فمن حيث الأسلوب: أسلوب فرض الفريضتين ... إلزام ووجوب:
تأمل قول الحق جل شأنه عن الصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، وقال عن الجهاد أيضاً: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}[البقرة:216]، فمعنى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أنه حق لازم للأمة لا محيد عن الأخذ به.
ومن حيث غايتهما في سبيل الله تعالى:
قال تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ }[البقرة:244].
وروى البخاري بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»([2]).
والمقصود إخلاصًا للهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ فكلاهما لابد أن يتوافر فيه الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
والحديث يبين أيضًا منزلة المجاهد الصائم: فجملة « فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أيْ: في أثناءِ الجِهادِ، إلَّا أنْ يَخشَى الصائِمُ ضَعفًا عِندَ لِقاءِ العَدُوِّ؛ فالفِطرُ له أَوْلى؛ لِيَقوَى على القِتالِ
والحديث يدُلُّ على بُعدِ النَّارِ عنِ المُجاهِدِ الصَّائِمِ، أوِ الصائِمِ المُحتَسِبِ للهِ عَزَّ وجَلَّ.
ومن حيث المآل؛ فكلاهما مآله إلى خير: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }[البقرة:184]
وروى البخاري بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»([3]).
وكلا العملين يؤمَّنْ صاحبهما من فتنة القبر:
عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» ([4]).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، ... َكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، ...، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ..."([5]).
جمعت الفريضتان بين جهاد النفس بالصيام، وجهاد الأعداء بالقتال:
لقد ربطت سورة البقرة بين فريضة الصيام وأمر الله المسلمين بقتال المعتدين ومجاهدة الظالمين، وهنا تجتمع لدى المجاهد الصائم مجاهـدةُ النفس ومجاهدةُ الأعداء؛ فإنِ انتصر تحقَّق له انتصاران: هما الانتصار على هوى النفس، والانتصار على أعداء الله تعالى، فآيات الصيام تبدأ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}[البقرة:183] إلى آخر الآيات رقم 187، ثم تأتي في السورة الكريمة الآية(190) تتحدَّث عن الجهاد والقتال، وهي آيات كثيرة تحضُّ على الجهاد، يقول ربنا عز وجل: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين}[البقرة:190]؛ فارتباط الجهاد عمومًا بشهر رمضان هو ارتباط بين رفيقين ارتباط تآلف وموافقة لا ارتباط تنافر أو مصادمة، فرمضان صومه لا رياء فيه، وكذلك الجهاد لا رياء فيه، ورمضان صيامه صبر على تحمل المشقة، وكذلك الجهاد صبر على تحمل المشقة، ومن أجل هذا كان الصوم تدريبًا على الجهاد.
التطبيق العملي لهذا الارتباط:
هذا أمر واضح في توقيت أبرز الغزوات، وبعض المعارك الحربية في رمضان (فغزوات بدر الكبرى، والخندق، والفتح، وتبوك) وقعت في رمضان في سنوات مختلفة.
فشهر رمضان لم يشرعه الله للقعود والتخلف عن ركب الجهاد والحركة والدعوة إلى الله؛ فغالبية الهزائم التي لحقت بالشرك وأهله على أيدي المسلمين كانت في شهر رمضان المبارك، وهذا كافٍ لأن ينفض عنَّا غبار الكسل والخمول.
الاقتران بين الصيام والجهاد في الحديث النبوي:
تأمل الاقتران بين الفريضتين في الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَالَ: «لاَ أَجِدُهُ» قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلاَ تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلاَ تُفْطِرَ؟»، قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ»([6]).
لقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل اللّه؛ لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية، وللشهادة على الناس؛ فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها؛ إيثارا لما عند اللّه من الرضا والمتاع، وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك والذي تتناثر على جوانبه الرغائب والشهوات والذي تهتف بسالكيه آلاف المغريات!
فالحكمة الأصيلة لهذه الفريضة هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض، وتهيئته للكمال المقدر له في حياة الآخرة.
أعلنوها مدوية وعايشوها واقعًا... (هذا العام : عام الجهاد)
لقد توَّعد رئيس أركان جيش الاحتلال الجديد "إيال زامير" أن عام 2025 م عام الحرب"؟
فهل نجعل هذا العام عام الجهاد بكل أنواعه؟
ويحدد كل منَّا مجال الجهاد المناسب لطاقاته وقدراته.
فمن كانت صنعته الإعلام؛ وظَّف قدراته الإعلامية في نصرة قضايا الإسلام، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي اجتمع الأعداء على إنهائها.
ومن كانت صنعته التجارة؛ جعل سهمًا من أرباحه لإعداد المجاهدين وتقويتهم، وأن يخلفه في أهله.
ومن كانت صنعته الطب؛ جعل جهاده السعي في استبقاء نفوس المجاهدين وحاضنتهم الشعبية.
ومن كانت صنعته الهندسة؛ وظَّف صنعته وطاقاته في الإعمار؛ لإفشال خطة التهجير، وتثبيت أهل الأرض في ثباتهم ودفاعهم على الأرض المباركة.
ومن كانت صنعته التعليم والتدريس؛ ساعد وزارة التعليم عن طريق التعليم أون لاين أو مباشر إذا تيسر ذلك.
ومن كانت صنعته الأمن السيبراني؛ وظَّف ذلك في اختراقات لمعلومات العدو، وهو بذلك مجاهد.
وهكذا كل صاحب طاقة وقدرة ومهارة؛ إذا وظَّفها في مساعدة المجاهدين وتقويتهم؛ فهو مجاهد في سبيل الله.
ومن كان من أهل العلم تقدم الصفوف؛ ليقود الأمة في مواجهة هذا المشروع الصهيوني الذي اجتمع فيه كل خبيث مخادع، ومنافق عليم اللسان؛ لكي يُطْفِئ نور الله، ويُسقط علم الجهاد الذي رُفِع وامتدت آثاره حتى شمل ربوع الأرض.
ويجب على رب الأسرة المسلمة تربية أولاده على مكانة القدس والمسجد الأقصى ومخططات يهود، بحيث يعلم الجميع حقيقة هذه القضية، وأنها ليست خاصة بالشعب الفلسطيني، وإنما هي قضية إسلامية تتعلق بديننا وكتاب ربنا؛ ولذلك إذا كان اليهود يُعَلِّمون أطفالهم بعض الأناشيد التي منها: “شُلَّت يميني إن نسيتُكِ يا أورشليم”، فنحن أَولَى منهم أن نعلِّم أولادنا ونساءنا وسائر أفراد أمتنا أن القدس هي أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله ﷺ ، وهي أمانة في عنق كل مسلم.
«أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الشهرِ»
واجب عملي:
لنجعل شعارنا مع إخواننا المرابطين والمجاهدين وحاضنتهم الشعبية «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الشهر»
وعلى كل منا أن يبذل ما يستطيع لإغناء إخوانه في فلسطين ( غزة والضفة)، وأن يجعل لهم النصيب الأكبر في الإنفاق (زكاة – صدقات) وفي الدعاء وقت السحر، ووقت الإفطار، وفي الأوقات المستجاب فيها الدعاء، فالصائم مرجو الدعاء، ورمضان مرجوة دعواته.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل