السيد الأستاذ أحمد موسى- المحرر بجريدة (الأهرام)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد!!
كان من الممكن ألا أكتب إليكم برسالتي هذه لأسباب لا تخفَى عليكم، منها أنني واحد من الذين كادوا أن يستيئسوا من استقامة بعض الأقلام في أيدي أصحابها بعد أن غابت عنها طويلاً- ولا زالت- الموضوعية، وحلَّ محلَّها الحقدُ والضغينةُ والبغضاءُ عما قد يشوبها من شائبة العِمالة، والموالاة لأجهزةٍ طال عليها الأمد في تلفيق التُّهَم للأبرياء وإلصاق كل نقيصة بدعوة خالدة تتأبَّى على تلك المهاترات التي عفا عليها الزمان؛ لالتواء طبيعتهم ولؤم نحيزتهم وخبث طويتهم، ولما انطوت عليه من أمراض نفسية شوَّهت- فضلاً عن سحنتهم ووجوههم- قلوبَهم وأفئدتهم، وصدق عليهم قوله سبحانه: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾ (المطففين).
أقول: أربأ بكم- وأنت شابٌّ في مقتبل سنّ أبنائنا بل أحفادنا، لم تعِ أحداثًا ولم تقرأ عن تلك الجماعة المؤمنة الراشدة، التي وصفَها قلمكم في زلاَّته المعهودة (بالكارثة)، وأنا فيها قبل أن تولد أنت وغيرك ممن درّبوا على اتباع كل ناعق، وممن لم يعيشوا عطرًا زاهرًا (هو الأصل وغيره هو الشاذ والنشاز) من الحريات تحسدنا عليها دول غرب أوروبا الآن، والحديث في ذلك يطول؛ إذ كانت الأحزاب تولد دون إخطار أو ترخيص، بل بمجرد اجتماع من يريدون أن يؤسسوا حزبًا فيعلنوه.
عصر كان قبل العصر الشمولي الذي وُلدتم ونشأتم فيه، فتعوَّدتم عليه كما يتعوَّد من اعتاد شرب الماء الآسن العَكِر فلم يعتد غيره،.. دعوة نال في الكتابة عنها (كما كتبت في ذلك للأستاذ أسامة سرايا في خطاب مسجلّ) العديد من حملة الدكتوراه والماجستير في رسائل علمية موثَّقة بعيدة عن الصحف والمهاترات والبذاءات التي تسيل بها أقلام العديد من المأجورين والمباحثين والصحفيين والمخبرين.
وللعلم لا يهتزُّ إزاءَ ذلك منا- نحن آلاف الإخوان- شعرةٌ في أيدينا، فقد أخبرنا بذلك الإمام الشهيد (رغم أنف الكارهين الحاقدين) أن القوم سيثيرون غبار الشبهات، ويحاولون إلصاق كل نقيصة بهذه الدعوة، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق والنفوس الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالتسول والنفاق والعمالة، وإلينا بالإساءة، وكم حاول هؤلاء أن ينالوا من الدعوة، سواءٌ في العهد الملكي أو في عهد عبد الناصر، (ولعلك لم تعِش تلك الأهوال التي تقشعر منها الأبدان)، وقد أدان القضاء تلك الحقبة (ولو راجعت (الأهرام) عام 1975 لقرأت حيثيات أحكام صدرت بشأن تعويضات عن قضايا تعذيب (إن مصر لم تشهد في عهدها القريب أو البعيد- منذ عهد الفراعنة- عهدًا دِيست فيه كرامة الإنسان وامتهنت فيه آدميته كهذا العهد).
ولعلك لا تعلم أن عبد الناصر وصلاح سالم قد اعتذرا عن حلِّ تلك الجماعة في مارس 1954 بل وحمَلا حقائب الأستاذ حسن الهضيبي- رحمه الله- وأمطراه اعتذارًا، ولم يصدر بعد ذلك قرارُ حلٍّ لهذه الجماعة برغم التمثيليات وشاهدها حيٌّ يرزق، هو السيد/ حسن التهامي، ويمكنك الرجوع إليه إذا كنت تتحرَّى الموضوعية التي غابت وتغيب عنكم طويلاً تحت ركام الادعاء الأخير بأن الإخوة الأبرار- رغم أنفكم- لم يكونوا يملكون سلاحًا ولا زيًّا عسكريًّا ولا..، إلى آخر تلك السخائم والأكاذيب المملاة عليكم من الجهاز الذي تعملون لحسابه، (ولعلمك فالكل يعلم أنكم مندوب الداخلية في الصحافة لا العكس.. هداك الله).
أقول: ما كتبت ذلك- رغم أني أضنُّ بوقتي عن ذلك- إلا إشفاقًا عليكم من حساب يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين (هذا إذا كنت تستشعر هذا المعنى)، ولعل الأدب الذي غاب عن كتاباتك كان يلزمك أن تعلم أن أستاذنا الجليل محمد مهدي عاكف هو من خيرة المجاهدين، وقد حُكم عليه بالإعدام في العهد الناصري لجهاده في فلسطين والقنال قبل أن تولد أنت ومن يملي عليك تلك الأكاذيب فكان يلزمك- على الأقل لفارق السن- أن تحسن الأدب في مخاطبته، وأن تعلم أنما يعبر عن رأي حرّ هو رأينا جميعًا؛ إذ إن سوى ذلك شاذ ونشاز وهي عهود بائدة، إذ يغيب عنها حرية الرأي وتداول السلطة (الذي لم تعشه أنت وأمثالك) وعدم تأبيدها، وما كان منهجها (كارثيًّا)، بل إن الأوضاع الحالية هي الكارثية بامتياز، فما كان من يدعو إلى إقامة دولة الحق والعدل والشورى والمساواة والحرية على مرجعية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (كارثة)، إنما الكارثة فيمن يتهكَّم على ذلك وحسابكم على الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
محمد عبد المنعم محمد حسين