بقلم: عماد عجوة*
مصادرة الأملاك والأموال ليست أمرًا جديدًا في تاريخ مصر، ولكنه أمر معتاد في مصر المحروسة، فهذه الظاهرة لها جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدنا، فهي أحد مظاهر السوء التي لجأت إليها الدولة لملء الخزانة أو لمواجهة النفقات، حيث كانت أحد الموارد المالية سريعة العائد، كما كانت هذه الظاهرة سلاحًا باترًا يُستخدم ضد منافسي الحكام المستبدين؛ لذلك كانت وما زالت المصادرات أداة من أدوات السلطة ومظهر من مظاهر تدهور الحكم.
أسباب الظاهرة
وظاهرة مصادرة الأملاك لها أسبابها التي دفعت الحكام إلى اللجوء إليها، خاصةً عند الحاجة إلى عقاب سياسي، وفي بطون كتب التاريخ والتراث التي تناولت تاريخ الحكم في مصر نجد أن من أهم أسباب مصادرة الأملاك راجع إلى عجز السلطة الحاكمة عن إدارة البلاد، مما جعلهم يلجئون وقت الأزمات التي تحيط بهم إلى مصادرة أموال وممتلكات المناوئين لهم سياسيًّا، فالمستبدون في الحكم كانوا وما زالوا يجعلون إحدى دعائم نظام حكمهم ترتكز على عدم الرغبة في ظهور منافسين ممن يُخشَى بأسهم، ولم يكن أحد بعيدًا عن المصادرات في سبيل تخلص كثيرٍ من الحكام من أصحاب المال والسياسة والفكر كذلك من أسباب المصادرات في تاريخ مصر التصفية السياسية، فعقب تولي أي من الحكام والسلاطين ذي الطبيعة المستبدة يقوم بإجراءاتٍ أولها عزل رجال سابقيه من الحكم وبالطبع يصاحب ذلك توقيع عقوبات كثيرة منها مصادرة الأموال والممتلكات، ثم يقوم بتقريب أنصاره وتقليدهم المناصب والإنعام عليهم، فيذكر المقريزي في عام 648هـ أنه قد صُودرت أملاك الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان الأيوبي بسبب رفضه مبايعة شجرة الدر، وفي سنة 711هـ حينما تخوَّف السلطان من القاضي فخر الدين ناظر الجيش صادر أملاكه هو وابنه.
ويذكر ابن كثير أنه في عام 742هـ صودرت وبيعت أملاك سيف الدين قوصون بسبب رفضه مبايعة السلطان الجديد أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون، كما كانت مصادرات الأملاك تحدث كثيرًا وقت الفتن والثورات الداخلية وعدم الاستقرار.
ولا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا إن الأسباب الاقتصادية كانت أحد أهم البواعث الأساسية وراء اتخاذ كثيرٍ من الحكام في مصر سياسة المصادرات للأملاك والأموال، فكلما كان اقتصاد الدولة قويًّا وثابتًا كان الرخاء والاستقرار يعم الجميع، أما إذا كان العكس فيسود الظلم وتُضار مصالح العامة فيلجأ العجزة من الحكام المفسدين إلى سياسة المصادرة لملء خزانة الدولة الخاوية أو لسداد متأخرات أو قروض عليها، ولم يجهد هؤلاء الحكام أنفسهم في معالجة هذا الوضع.
وحدد ابن خلدون في مقدمته سبب تعدي الحكام على أموال الرعية في حاجتهم إلى المال؛ مما يجعلهم يقومون بفرض مكوس (ضرائب) جديدة ومصادرة الأموال بحجة أن هذه الأموال اكتسبت بطرق غير شرعية.
ويرى كثيرٌ من الباحثين أن سياسة المصادرات من أقسى صور الظلم والتعسف المجافي للعدالة ودليلٌ على فساد الإدارة والسلطة الحاكمة، خاصةً إذا كانت وراءها أسباب سياسية وأصحابها من الشرفاء
خراب العمران
كانت المصادرات في أغلب أوقاتها تؤدي إلى ضياع هيبة الدولة وتعجيل سقوطها وتُضر الغالبية العظمى التي لم يكن لها يد في ذلك، كما حدث لدولة المماليك في مصر والتي كان لسطوة كثيرٍ من حكامها وكثرة مصادرتهم لأملاك المنافسين لهم سياسيًّا دورٌ كبيرٌ في سقوطها فقد بلغ عدد المصادرات للأملاك لأسباب سياسية بها حوالي 1342 حالةً من مجموع 3306 حالات بعضها فردي وبعضها جماعي، فبلغت المصادرات السياسية على سبيل المثال في عهد الأمير عز الدين أيبك 701 حالة، وفي عهد المنصور قلاوون 252 حالةً، وفي عهد الناصر محمد 87 حالةً.
كما أنَّ المصادرات ينتج عنها انحطاط وزوال للفكر الخلاق، واندثار للعديد من المهن وإغلاق العديد من المتاجر والأسواق، مما يؤدي إلى فقدان الولاء ولجوء المتضررين من العامة للانتقام والاقتصاص من الدولة للضرر الواقع عليهم من جرَّاء هذه السياسة، مثلما حدث في عهد السلطان قايتباي إذ ثارت العامة من الناس على الشيخ شهاب الدين أحمد الشيني ورجمته وأرادت قتله فهرب منهم إلى مكةَ والسبب في ذلك إصداره فتوى للسلطان قايتباي بجواز مصادرة الأملاك.
يذكر العلامة ابن خلدون في مقدمته: "... أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتِهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كثيرًا عامًا في جميع أبواب المعاش.. قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب وكسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وابذعر الناس في الآفاق.. فخف ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصاره فقلت العمارة وخربت الضياع وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية واختل باختلاله حال الدولة والسلطان.
ويقول ابن خلدون أيضًا في مقدمته إن أعظم مظاهر الظلم التسلط على أموال الناس بالباطل فيذكر "... إن الظلم مُخَرب للعمران وإن عائد الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض، فالظلم ليس أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك، وكل من أخذ مُلك أحد أو غضبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقًّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه، فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة واغتصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها، ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق.
رحمك الله يا ابن خلدون وكأنك تشخص حال دولتنا مصر المحروسة الآن، فما هو الحل في نظرك؟، يقول العلامة ابن خلدون موجهًا النصيحة للحكام: ".. أيها المَلِك إن المُلك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالمُلك ولا عز للمُلك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل".
المصادرات الحميدة في تاريخنا
إحقاقًا للحق فإنه يجب ألا ننسى أنه في غالب الأحيان تحدث المصادرات للمُثِيرين للفتن والمتهمين بالخيانة والفارين من أعمالهم والمقصرين في واجباتهم والمختلسين والمُتلفين لمال الدولة أو لعملتها ومرتكبي الجرائم الأخلاقية والاجتماعية، كما لم تُوَقع المصادرات إلا لمواجهة ظروفٍ صعبةٍ تحدق بالدولة أو لإصلاح بعض العيوب الداخلية في الجهاز الإداري كالرشوة والاختلاس والتفريط في حق الدولة والعجز عن تدبير الدولة ماليًا، فمثلاً في عام 658هـ قام السلطان قطز بكثيرٍ من المصادرات للصرف على حربه ضد التتار، وقيام السلطان فرج بن برقوق سنة 803هـ بمصادرة أملاك الإقطاعيين لتجميع المال اللازم لحرب تيمورلنك، وقد قدرت المصادر التاريخية هذه المُصادرات بحوالي مليون دينار.
كما كانت المصادرات تحدث أحيانًا نتيجة قيام المُصادر أموالهم باختلاس أو نتيجة لإتلاف مال الدولة سواء بصرفه فيما لا يفيد أو التهاون في تحصيله أو المسامحة به، وأحيانًا تكون المصادرات للخونة المتعاملين مع العدو أو المتجسسين لصالحه أو لإفشاء أسرار الدولة، وهي عادة مُقيتة تدل على عدم الانتماء للمكان الذي نعيش فيه، وإلى جانب العقوبات التي كانت تطول هؤلاء كانت تُوَقع مصادرات للأملاك كعقوبةٍ تكميلية بهدف ردع الخائنين، كما حدث في عهد السلطان قلاوون سنة 687هـ إذ كان من بين الأسباب التي جعلته يُصادر ويعاقب الأمير الشجاعي بيعه أسلحة للفرنجة، وللسلطان قلاوون كل الحق فيما فعله بالشجاعي لأن فعلته هذه تُمكِّن الفرنجة من الوقوف على مدى تسليح الجيش وتصنيع الأسلحة المُضادة لذلك.
وهناك ثمة اتفاق بين حالات المصادرة عبر فترات كثيرة من تاريخ مصر، فالحاكم هو صاحب القرار في إصدار أمر المصادرة رغم وجود مجالس للشورى، ومن المفترض أن هناك دولة مؤسسات، ومن طرائف المصادرات ما ذكره المقريزي أن السلطان برقوق وهو بالشام أرسل كتابًا مختومًا مع شاد الدواوين محمد بن رجب إلى الأستادار محمود بمصر يأمره فيه بأن يقبض على حامل الرسالة ويصادره بمبلغ 160.000 درهم.
وأخيرًا نقول لحكامنا.. إنَّ من أهم مقاصد الشريعة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال لقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: من الآية 29), ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام", وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه"، فمن أهم حقوق الإنسان في الإسلام تحريم مصادرة الأموال وحجزها إلا بمقتضى شرعي، فللمسكن حرمته في كل حال، ولا يجوز دخوله بغير إذن أهله أو بصورةٍ غير مشروعة، ولا يجوز هدمه أو مصادرته أو تشريد أهله منه، ولكل إنسان الحق في أن يعيش آمنًا على نفسه ودينه وأهله وعرضه وماله، هذا ما جاء في إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام الصادر عن المؤتمر الإسلامي التاسع عشر لوزراء الخارجية في (القاهرة 14 محرم 1411 هـ/ 5 أغسطس 1990م).
-------------
* ماجستير آثار إسلامية