![]() |
|
عبد الجليل الشرنوبي |
أزمة خُدَّام النظام الحاكم أنهم يصبُّون نموذج واقعهم على الإخوان المسلمين، ومن ثم يرَون في الجماعة ما في النظام، ويصير الواقع المشوّه لهم هو الأصل، وبالتالي يخرج علينا كتَّاب ومنظِّرو ومحلِّلو التوجُّه الحكومي بدُرَرٍ يتفتق عنها وعيُهم النظامي، مؤكدين بين الحين والآخر أن انشقاقاتٍ مؤكدةً تجري في صفوف الإخوان، وأن انقلابًا وشيكًا يدبِّر له أعضاءٌ في رأس التنظيم الإخواني (مكتب الإرشاد) للانقضاض على الجماعة، وأن فسادًا ماليًّا يدبُّ في أوصال الجماعة، وأن هناك محاولاتٍ مستميتةً من إخوان الخارج للضغط على الداخل لعزل المرشد وتولِّي (فلان الفلاني) المنصب حتى لا يظلَّ حكرًا على إخوان مصر، وأن القواعد تتذمَّر، والوسط يتبرَّم، والرأس لا يبالي!!
هذا هو واقع التحليل الآني للمشهد الإخواني، حتى بات الأمر كلأً مباحًا لكلِّ ساعٍ لدور في المشهد الحكومي المهترئ، أضِف إلى ذلك مساحة النجومية التي تمنحها مثلُ هذه الأدوار لصاحبها، وارتفاع سعره كلما ارتفعت قدرتُه على قراءة الواقع الإخواني وفْق الأبجدية الحكومية، المحكومة بمعادلات الصراع وحسابات المصالح وتكتلات الميكافيلية، التي تتغير كلما تغيرت مناصب أفرادها داخل المنظومات الحزبية والحكومية.
وبلا شكٍّ فإن الإخوان ليسوا ملائكةً تمشي على الأرض، كما أنهم غير معصومين من الخطأ، فهم بشرٌ، غير أنهم في ذات الوقت تجمعُهم فكرةُ الإسلام وسياستُه، وتُوحِّدهم دعوةٌ ربانيةٌ تحدُّها أُطُرٌ تنفيذية بشرية، فإن أصابت أُطُرهم عينَ الحقيقة فهو الأصل، وإن حادَت فالأُطُر بحاجةٍ إلى ضبطٍ، وبالتالي فالواقع الإخواني يظلُّ دومًا منفصلاً عن المحددات السطحية لتوافق المجتمع الحكومي، المحكوم بمرجعية القرب من ولي الأمر، والمحدَّد بأُطُر المكاسب المستحقة من هذا القرب، وهو ما يجعل المدافع عن السياسات أو القرارات هو ذاته الذي ينقلب عليها عندما يتم استثناؤه من تصدُّر منظومة ما، أو حتى عندما يرى في ترقيته من وزير أو رئيس تحرير إلى مستشار نوعًا من أنواع الركل إلى أعلى!!
ثم تأتي النقطة الأهم في محاولةِ فكّ الالتباس بين واقع الإخوان والنظام، ألا وهي قدرة التنظيم الإخواني على تجاوز أزمات الاجتثاث، سواءٌ أكانت هذه المحاولات تتمثَّل في حصار أمني أو اغتيال بدني، والواقع أن تاريخ الجماعة مرتبطٌ- منذ نشأتها على يد الإمام البنا رحمه الله- بثقافة الابتلاء الممتدَّة من أصل رباني ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت)، ولذا دأبت أدبيات الإخوان التربوية على ختْم كل مجلس لهم بسورة العصر؛ لتؤكد أن الوصية بين أبناء دعوة الإخوان هي "الحق والصبر"؛ انطلاقًا من قول الله جل في علاه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: من الآية 3).
وهو لا يعني احتكار الحق بقدر كونه محاولةً للسير على طريق الساعين إليه المتحمِّلين في سبيله كلَّ عنَت ومشقة، ووفق هذا النسق يمكن فهمُ طبيعة النفسية الإخوانية التي ترتفع هامتُها كلما امتُحِنَت أو ابتُلِيَت، وساعتها تنصهر كل التباينات في الرؤى والاختلافات في الطباع والمشارب في بوتقة السعْي للثبات على درْبٍ روَت تربتَه دماءٌ كثيرةٌ، بدأت بدماء مؤسس الجماعة، وصولاً إلى طارق الغنام، كما نَمَت على أطلالِ ماضيهِ جدرانٌ لسجون كانت ولم تزل، من معتقل الطور حتى مزرعة طرة، ومرَّ على جنبات هذا الدرب جلاَّدون كثُرٌ، لم يعد يذكر التاريخ إلا وحشيةَ بطشهم وآثارَ سياطهم على ظهور شيوخ الإخوان، الذين راحوا يجوبون بقاعَ العالم، حاملين رايات دعوتِهم، مبشِّرين بقدرةٍ هائلةٍ على البناء في مجابهة كل معارك الهدم، خاتمين أحاديثَهم بيقينٍ خالصٍ ﴿وَاللَّه
