بقلم: محمود حسن جناحي

إن التعريف الذي يُطرح لمصطلح "إسلاموفوبيا" منذ ظهوره في نهاية الثمانينيات من القرن الميلادي المنصرم هو (الخوف المَرَضي من الإسلام)، ولكن هذا التعريف أشبه بالتعريف اللغوي الرسمي! بينما واقع الحال ينبئنا أن التعريف الأصح هو (العداء المَرَضي للإسلام)! فقد نجحت أجهزة الإعلام الرهيبة والمسيسة في الغرب في خلق شعورٍ عام لدى شرائح واسعة من الغربيين بالخوف اللامبرر والمبالغ فيه من الإسلام، لدرجة أن تحوَّل هذا الخوف إلى نوعٍ من العداء، المقصود الأول منه صنع عدو للغرب بعد السقوط المدوي للمعسكر السوفيتي.

 

وهكذا ظلت أجهزة الإعلام الغربية المتصهينة طوال العقد المنصرم تروج للعدو البديل، مُتبَّعة في سبيل ذلك وسائل غير أخلاقية كتشويهٍ مبادئ الإسلام، أو الاستشهاد بها في غير سياقها، أو استغلال أفعال وممارسات معينة لجماعات معينة، معلوم عند الجميع أنها محل استنكار من المسلمين عمومًا.

 

ولكن مع النجاحات الشعبية والسياسية التي بدأت تتحقق على يد الإخوان المسلمين في عدة أقطار عربية كمصر وفلسطين، بدأت موجةً أخرى من الهجوم والتخويف من جانب أجهزة الإعلام، اختلفت عن الموجة الأولى التي بدأت في أواخر الثمانينيات من حيث التخصيص! ومن حيث المشاركة! فالموجة الجديدة ركَّزت هذه المرة على حركة الإخوان المسلمين تحديدًا، باعتبارها- حسب المعطيات التي تتحقق على الأرض- أكبر الحركات الإسلامية حجمًا، وأكثرها تأثيرًا في الجماهير، وأكثرها نجاحًا وشعبيةً.

 

وأما من حيث المشاركين، فقد كان رأس الحربة في هذه الحملة الجديدة الظالمة تشكيلة من الكُتَّاب العلمانيين المصريين، الذين لهم تاريخ حافل من العداء للإسلام عمومًا، ولفكر الإخوان خصوصًا.. ثم ما لبثت هذه الحملة أن امتدت من مصر إلى بعض الصحف العربية المشرقية والخليجية، ورأينا بعض الأقلام المعروفة بعدائها للفكرة الإسلامية في بعض الأقطار الخليجية تشارك في هذا (الفضل الكبير)!! وهكذا، وجدنا أنفسنا أمام ظاهرة جديدة تُسمَّى "إخوانوفوبيا" أو: (العداء المَرَضي للإخوان المسلمين)! وأظن أن أول مَن استخدم مصطلح الإخوانوفوبيا هو الدكتور حمزة زوبع في (القدس العربي) اللندنية.

 

لماذا هذه الظاهرة؟ لماذا هذه الهستيريا التي أصابت بعض مثقفينا خاصةً بعد ظهور نتائج الانتخابات النيابية في مصر وفلسطين؟

 

لقد وجدنا أساطين الليبرالية الجديدة يمارسون الإرهاب الفكري بأبشع أنواعه، ويستغلون وسائل الإعلام والصحافة التي تحت أيديهم أبشع استغلال لتشويه سمعة خصومهم الفكريين.
لقد وُلدت حركة الإخوان المسلمين من داخل رحم المجتمع المصري الأصيل، الذي بالرغم من ضراوة الهجمة الغربية العلمانية عليه، ظلَّ محتفظًا بولائه لدينه، متمسكًا بأصالته، وغيورًا على ثوابته، وجاء الإمام حسن البنا- رحمه الله- سالكًا طريقًا شعبيًّا يكفل هذا الانتماء، ويتبنى طريقةً تعليميةً تنشر العقيدة السليمة، والفهم الصحيح الشامل للإسلام.

 

وقد اتجه الإخوان اتجاهًا عمليًّا في إصلاح المجتمع، فأقاموا المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتربوية التي كان لها الحضور الواضح والمفيد في المجتمع، فأثبتوا أن دعوتهم دعوةً عملية، جاءت لتُعيد مجد الإسلام من جديد، وتُحيي مشروعه الحضاري التي حاول الأعداء أن يهيلوا عليه التراب.

 

لقد أورد الأخصائي الاجتماعي المصري الأستاذ محمد شوقي زكي في كتابه (الإخوان المسلمون والمجتمع المصري) بعض الإحصاءات التي تبين قوة الرابطة الثقافية والاجتماعية والمعيشية بين الإخوان وأفراد المجتمع المصري، ومدى شعبيتهم، ومساهماتهم في حل مشكلات الشعب المصري، ومما جاء في هذا الكتاب على سبيل المثال أن المستوصفات الطبية التابعة للجماعة في الأربعينيات كان يتردد عليها حوالي 150 ألفًا من المرضى سنويًّا، وقد كانت هذه المستوصفات تقدم خدماتها المجانية أو شبه المجانية لكافةِ المواطنين من مسلمين وغيرهم، لقد كان الإخوان قومًا علميين وعمليين، وهذا ما أكسبهم محبة الشعب وثقته، فلم يحتاجوا إلى المراوغة أو إقصاء الآخرين لكسب الشعبية.

 

 كما أن الإخوان- وبدون مواربة أو مراوغة- أعلنوا موقفهم الصريح من السياسة والعمل السياسي، وموقف الدين من السياسة حسب فهمهم، وبالتالي فلم يحتاجوا لأن يسلكوا سبلاً خفيةً لتحقيق أمور لها أهداف سياسية خفية وأخرى ظاهرية للتمويه! 

 

يقول الإمام البنا في رسالته (إلى أي شيء ندعو الناس): "يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنّة في شمالنا، وعمل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وهدى الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان مَن يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسةً فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات".

 

ويقول في (رسالة إلى الطلاب) وبكل وضوح وصراحة قلَّ أن تجدها لدى (الليبراليين الجدد): "وعلم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدًا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعةٍ من نهارٍ حزبيين متعصبين مهاترين، ومحال أن يسيروا لغايةٍ غير غايتهم أو يعملوا لفكرةٍ سوى فكرتهم، أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف".

 

نعم.. لم يتلون الإخوان كما يتلون اليوم مختلف أرباب اليمين واليسار تلون الحرباء.
لقد دأبت بعض الأقلام العلمانية الحاقدة بمختلف أطيافها من يمين ويسار على النيل من جماعة الإخوان المسلمين، وكيل السباب والاتهامات الجائرة لها، مستفيدة من الوضع البائس الذي أضحينا نحياه في ظل الهيمنة الأمريكية المطلقة، طلبًا لرضا السيد الأمريكي، وإثباتًا له "أننا نقوم بالواجب"!!

 

وهكذا أصبحنا نقرأ بأن الإخوان هم "أصل البلاء"! وبأنهم "أدخلوا التشدد إلى منطقة الخليج"! وبأنهم "يستغلون الدين لأسبابٍ سياسية"! إلى غير ذلك من الاتهامات الخالية تمامًا من الإثبات، والبعيدة تمامًا عن الإنصاف.

 

إن بعض مَن ارتضوا لأنفسهم العبودية الفكرية للرأسمالية أو الماركسية، ساءهم أن يجدوا الجماهير وهي ترجم كافة الرموز والمبادئ المستوردة، وتتشبث بمقدساتها الإسلامية العظيمة، وذهلوا وهم يرون الجماهير المخلصة في كافة ديار العروبة والإسلام وهي ترفع الشعارات التي تؤكد انتماءها للإسلام، وإعراضها عمَّا سواه، ولما كان للإخوان المسلمين الدور الرائد في تشبث الجماهير بإسلامها، استحقوا في نظر أساطين العلمانية النصيب الأكبر من حملات التشويه الإعلامي والتحريف الفكري.

 

فمنذ أن خرج الإخوان في مصر من المعتقلات في بداية السبعينيات، أي منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لم تسجل ضدهم حادثة عنف واحدة؛ ألا يدرك العلمانيون وكل أعداء المشروع الإسلامي هذه الحقيقة الواضحة! بلى، ولكنه الحقد الأسود، والتنافس غير الشريف الذي يعمي الأبصار عن الوقائع والحقائق.

 

لقد ارتضى الإخوان بالنضال السياسي السلمي، وشاركوا في العملية الديمقراطية، مع ما يشوب هذه الديمقراطية عادةً في بلادنا العربية من أعمال التزييف و"البلطجة"! فشاركوا في انتخابات 1984م متحالفين مع حزب الوفد الجديد، بالرغم من الخصومات التاريخية المعروفة بين الطرفين، وفي عام 1988م دخلوا في تحالفٍ مع حزبي العمل والأحرار، وحققوا نتائج طيبة في الانتخابات البرلمانية في تلك السنة، كما خاضوا انتخابات عام 2000م، ونجحوا في الفوز بسبعة عشر مقعدًا، بالرغم من الحرب الشعواء غير القانونية التي شنَّت ضدهم، مما يدل على شعبيتهم الواسعة أولاً، وقناعتهم ثانيًا بأن العمل السياسي السلمي هو المطلوب.

 

إن المشاركة في خضم الحياة السياسية والفكرية وقضاياها ومشاكلها تستدعي نوعًا من المسئولية والأمانة، تلزم الخائض فيها ضرورة استشعار حجم التبعة الملقاة على عاتقه نحو أمته وحاضرها ومستقبلها.

 

لقد تغيَّر المشهد السياسي في مصر وغير مصر، وأصبح الإخوان في صدارة هذا المشهد، وعلى أصحاب (الإخوانوفوبيا) أن يستوعبوا هذه الحقيقة.

-----------

* كاتب وباحث بحريني