نشأت فكرة "الفوضى الخلاقة" أو "الاضطراب البنَّاء" من خلال الصراعات المسلَّحة، فحينما كان الموقف العسكري على مسرح العمليات يتجمَّد بين طرفين متحاربين، وتتوقف مقدرة الطرفين على إحداث هزيمة بالطرف الآخر كان أحد الطرفين يلجأ إلى تفجير الموقف بشكل غير عادي، ثم يقوم بتجميع الشظايا لبناء موقف جديد يكون أكثر ملاءمةً لأهدافه.

 

التقط المحافظون الجدد- وهم المجموعة المحيطة بالرئيس الأمريكي بوش، والتي تشكِّل مطبخ صناعة القرار- الفكرة، وراحوا يؤصلونها ويروِّجون لها في العالم، ويؤكد هذه الفكرة دراسة أخيرة نشرها الدكتور "روبرت ساتلوف"- مدير معهد واشنطن لشئون الشرق الأدنى من موقعه الخاص على شبكة الإنترنت- وقد دارت محاور الدراسة حول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط واستراتيجية "الفوضى الخلاَّقة" التي تنتهجها الإدارة الأمريكية في المنطقة، والتي تهدف من ورائها إلى خلخلة أوضاعها، عن طريق إحداث هزَّات عنيفة في البلدان العربية، ثم إعادة بنائها من جديد على أسس ديمقراطية- على حد قوله.

 

وقد أكد الدكتور "ساتلوف" أن إدارة الرئيس بوش تؤمن بتلك السياسة، وأنها قدرت فترة قد تستغرق حوالي عشر سنوات ليتم تنفيذها في المنطقة، ولم تقف الدراسة عند هذا الحد، ولكنها طالبت الولايات المتحدة بضرورة تشجيع الديمقراطية في العالم العربي، ومساندة الذين ينادون بها ماديًّا ومعنويًّا، كما دعا الإدارة الأمريكية لرفض الاقتراح الذي ينادي به بعضُ الساسة الأمريكيين المشارِكين في اتخاذ القرار والخاص بإقامة حوار مع الأطراف التقليدية ومطالبة بوش بدعم العلاقة مع الليبراليين العرب الذين اعتبرهم "ساتلوف" الأقرب إلى الولايات المتحدة ويؤمنون بنموذج الديمقراطية الأمريكية.

 

وخلاصة هذه النظرية المدمرة تقوم على زعزعة الأوضاع في دولة ما حتى لو كانت حليفةً أو صديقةً، وتحريض القوى السياسية والاجتماعية في الداخل لتتحرك رافضةً نظام الحكم القائم حتى يجد نفسه أمام احتمالين: إما أن يسقط نهائيًّا، وإما أن يخضع للضغوط الأجنبية وينصاع لمطالبها، وفي الحالتين يستطيع مهندسو "الفوضى الخلاَّقة" إعادة بناء الدولة وتركيب قواها ومؤسساتها وفق مخططاتهم وأهدافهم.

 

والفوضى الخلاَّقة أنواع: فمنها العنيف، ومنها الهادئ، وبالنسبة للنوع الأول فالمثال الصارخ والواضح له في العراق؛ حيث قام الجيش الأمريكي باحتلال العراق وتدميره، وإطلاق كل قوى الفوضى والسرقة والنهب والقتل والثأر والتصفية العرقية والطائفية، بينما هو قابعٌ ينتظر انتهاء حالة الفوضى إلى حالة جديدة "خلاَّقة" يبنيها على عينيه.

 

وفي فلسطين لعبت "الفوضى الخلاَّقة" ولا زالت تلعب دورًا أساسيًّا في إثارة الخلافات بين حركتَي فتح وحماس، وكلما حدث تقاربٌ بينهما أشعلت نيران الخلاف من جديد أملاً في إشعال حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس وعلى أمل البناء فوق الأنقاض بما يتناسب مع المشروع الصهيوأمريكي، وما ينطبق على العراق وفلسطين ينطبق أيضًا على السودان والصومال.

 

والنوع الثاني من "الفوضى الخلاَّقة" الأمريكية- والتي تبدو أقلَّ دمويةً من المشهد العراقي أو الفلسطيني أو الصومالي- يتمثل في أربع ساحات رئيسية في المنطقة العربية والإسلامية، تبدأ بإيران التي دخلت مع أمريكا والغرب لعبةَ الشدِّ والجذب حول برنامجها النووي الذي مضت فيه قدمًا بثبات وقوة، رغم كل التهديدات، بينما أمريكا وحلفاؤها متردِّدون في الانقضاض العسكري عليها خوفًا من ردِّ الفعل الإيراني الذي سوف يكون مدمرًا لمصالح أمريكا في المنطقة، وخاصةً في العراق ودول الخليج؛ ولذلك فإن اختيارات "الفوضى الخلاَّقة" ما زالت تحت الاختبار حتى الآن.

 

أما في لبنان فقد قطعت "الفوضى الخلاقة" شوطًا بعيدًا، بدأ بقتل "رفيق الحريري" رئيس وزراء لبنان، ثم اتجهت أصابع الاتهام تشير إلى سوريا، وبادرت الأمم المتحدة باستصدار القرار 1559 والذي على إثره خرجت سوريا من لبنان، ثم بدأت الفوضى في استدعاء كل المطرودين من لبنان والمتعاملين مع العدو الصهيوني في السابق؛ بحجَّة التسامح وفتح صفحة جديدة من المصالحة الوطنية، ثم اختلط الحابل بالنابل، واستطاع مهندسو الفوضى أن يخرجوا كلَّ الفرقاء إلى الشارع، وبنزول الجيش أيضًا تكون الحلقة قد اكتملت للبناء وفقًا للمصلحة الصهيوأمريكية.

 

وعلى الجانب الآخر مارست "الفوضى الخلاَّقة" شكلاً آخر لها في السعودية وبعض دول الخليج، بالضغط الناعم والحاسم في نفس الوقت، واستغلت اندلاع الهجمات الإرهابية التي هي من إعدادها سلاحًا إضافيًّا؛ للضغط على نظام الحكم من ناحية ولممارسة سياسات ابتزازية ضد السعودية لإجراء إصلاحات داخلية من ناحية أخرى، رغم أن السعودية هي أكبر مصدر للنفط وأهم شريك للغرب عمومًا.

 

والآن نأتي إلى مصر.. وقد يظن البعض أنها بعيدةٌ عن مرمى "الفوضى الخلاَّقة" وهذا نوعٌ من الوهم.. إن النغمة التي يردِّدها بعض السياسيين من أن مصر هي حليف رئيسي لأمريكا ولا يمكن لأمريكا الاستغناء عنها أو المخاطرة بممارسة لعبة "الفوضى الخلاقة" معها احتفاظًا بنظام حكمها الحليف قويًّا ومتماسكًا، ولهؤلاء نقول إن من يراهن على الصداقة الأمريكية فهو خاسرٌ مقدمًا؛ لأن المصالح الأمريكية لا تعرف الصداقة، والذي يتغطَّى بالأمريكان فهو عريان.

 

إن ما يحدث في مصر الآن من حراكٍ سياسيٍّ على كل الأصعدة، من خلال القوى السياسية والاجتماعية التي ترفض الأوضاع الراهنة المتجمدة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وتبحث عن التغيير السلمي عن طريق الإصلاح الديمقراطي، والتي تصطدم بنظام ديكتاتوري مستبدٍّ منصاعٍ لمهندسي "الفوضى الخلاقة"، مستخدمًا القوة الأمنية الباطشة وأقصى درجات العنف، من ضرب وسحل في الشوارع، واعتقال لا يفرق بين عابر طريق ومتظاهر، وبين صحفي يؤدي عمله أو قاضٍ في طريقه إلى منصته!!

 

لقد كان يمكن للنظام أن يسدَّ الطريق أمام الفوضى الأمريكية الخلاَّقة التي سوف تستغل هذا الحراك، وأن يجيب مطالبهم العادلة، ولكن يبدو أن مساندة أمريكا للنظام جعلته يستقوي على معارضيه، فيضرب ويبطش ويحوِّل المدنيين إلى محاكم عسكرية؛ حتى أصبح النظام في خصام وقطيعة مع كل القوى السياسية في مصر، من قضاة وصحفيين ومحامين ومهندسين وأساتذة جامعات وعمال وطلبة، بل وزاد الطين بلَّة أن يلجأ النظام إلى العَبَث بالدستور وتعديل 34 مادة، على رأسها المادة (1) والتي سوف تكرس الطائفية والفرقة بين أبناء الأمة تحت دعوى المواطنة، والتي سوف تفتح الباب على مصراعيه لدخول الفوضى الأمريكية الخلاقة.