للباحث
محمود زين العابدين علي عطية
إمام وخطيب بالأوقاف
مقدمة:-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومَن دعا بدعوته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
فقد كثُر في هذه الأيام الأخيرة الحديث عن علاقة الدين بالسياسة، وأنه لا توجد أي علاقة بينهما، وقد تسلل هذا المفهوم من الغرب بعدما حكمت الكنيسةُ بالحديد والنار باسم التفويض الإلهي- وكأنَّ الله قد فوَّضهم في الحكم عنه- فحكموا بالظلم والطغيان وحاربوا العلمَ وقتلوا العلماء وجمعوا الأموال وملئوا الخزائن.. كل هذا باسم الدين، فلمَّا حدثت النهضة الحديثة قبل قرنين من الزمان كفروا بالدين وبرجال الدين- لما سبق منهم- وفصلوا بين الدين
السياسة، ولم يوجد هذا في الإسلام، بل لقد حثَّ القرآنُ ورسولُ الإسلام على طلب العلم من المهد إلى اللحد، وأول ما نزل من القرآن الآيات التي تحثُّ على العلم مثل قوله تعالى في أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)﴾ (العلق)، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾ (الرحمن)، وغير ذلك من الآيات.
وكان لزامًا علينا أن نرد على شبهة (أنه ليست هناك ثمة علاقة بين الدين والسياسة) فعقدتُ العزم واستعنتُ بالله على كتابةِ هذا البحث، وقد قسمتُه إلى خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الدين، الإسلام، السياسة، الدولة.
المبحث الثاني: العلاقة بين الدين والسياسة في الإسلام وغيره.
المبحث الثالث: الإسلام السياسي.
المبحث الرابع: ضرورة الإصلاح السياسي.
المبحث الخامس: شبهات ومغالطات إعلامية والرد عليها.
وقد حاولت- في كلِّ مبحثٍ منها عن طريق مجموعة من المطالب الفرعيَّة- جاهدًا أن أردَّ في هذا البحث على هذه الفرية ما استطعت، ولن أدعي لنفسي أنني كاتب أو باحث، ولكنها محاولة لرد السهام الموجهة إلى الإسلام وإلى العاملين للإسلام.. فأسأل الله تعالى القبول والسداد.
المبحث الأول
تعريف الدين والإسلام والسياسة والدولة
الدين:
الدين من الألفاظ التي لم تخل منها لغة من اللغات بمدلولها؛ لأن التدين فطرة، وقد تعددت دلالتها بتعدد الأمم، وإن وُجد بينهما في النهاية قاسم مشترك، فلقد عرَّفها العرب بمدلولات شتى وردت في القرآن بمعانٍ متعددة منها:

أولاً: الدين بمعنى الطاعة: وهو أصل المعنى و(دنت له) أي: أطعته، ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: 29) أي: الخضوع له وحده دون سواه.. وقال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ...﴾ (البقرة: 256) أي: في الطاعة.
ثانيًا: الدين بمعنى الجزاء والمكافأة: يُقال: (دانه دينًا) أي: جازاه، ويقال: (ك