فرّت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة من بنجلادش الإثنين، لينتهي حكمها الذي استمر 15 عاما بعد أكثر من شهر على مظاهرات أوقعت مئات القتلى، فيما أعلن الجيش أنه يعمل على تشكيل حكومة مؤقتة. وقد أعلن قائد الجيش في بنجلادش وقر الزمان، اليوم الإثنين، عزمه عقد محادثات لتشكيل حكومة مؤقتة بعدما قدمت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة استقالتها وغادرت العاصمة تحت ضغط احتجاجات عارمة.
ودعا وقر الزمان المواطنين، في خطاب متلفز بثه التلفزيون الحكومي، إلى الكف عن العنف والثقة بالجيش، وأشار إلى أنه لا حاجة إلى فرض حظر تجول أو تدابير طارئة، مؤكداً استقالة الشيخة حسينة التي كان مصدر مقرب منها قد أفاد بأنها غادرت البلاد.
وكان الآلاف من البنغال قد اقتحموا مقرّ رئيسة الوزراء، وذلك بعد أن غادرت الشيخة حسينة العاصمة داكا "إلى مكان أكثر أماناً"، وفق ما قاله مصدر لوكالة فرانس برس، اتضح لاحقاً أنه الهند التي توجهت إليها عبر مروحية عسكرية، بحسب ما أفادت "رويترز". جاء ذلك في ظل تسارع الأحداث في البلاد مع دعوات المتظاهرين بالتوجه إلى دكا الاثنين، في تحدٍّ لحظر التجول الشامل الذي أعلنته الحكومة مساء أمس الأحد لمواجهة موجة المظاهرات المناهضة للحكومة التي اجتاحت البلاد منذ أسابيع وقُتل فيها ما لا يقل عن 300 شخص.
وقالت الشرطة البنغالية إن 56 شخصاً على الأقل قُتلوا، اليوم الاثنين، خلال الاحتجاجات بعد استقالة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة وفرارها، ونُقلت 44 جثة على الأقل تحمل آثار الرصاص إلى مستشفى العاصمة دكا، وقالت الشرطة إن 11 شخصاً آخرين قتلوا في أنحاء أخرى من العاصمة، مع سقوط قتيل إضافي في مدينة شيتاجونج الساحلية. وتحولت المظاهرات التي انطلقت ضد نظام حصص لوظائف الخدمة المدنية إلى أسوأ اضطرابات تشهدها البلاد منذ تولي الشيخة حسينة (76 عاماً) السلطة، وقُتل يوم أمس الأحد 94 شخصاً في ما اعتبر أكثر الأيام دموية منذ اندلاع الاحتجاجات الشهر الماضي، ونزل مئات الآلاف يوم أمس إلى شوارع العاصمة والعديد من المدن الأخرى، حيث تواجه مناهضو الحكومة ومؤيدوها، ووقعت اشتباكات استخدموا خلالها العصي والسكاكين، بينما عمدت قوات الأمن إلى إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع في محاولة لتفريقهم.
وتحكم حسينة (76 عاماً) بنجلادش منذ عام 2009، وفازت بولاية رابعة على التوالي في انتخابات يناير التي لم تشهد منافسة حقيقية، وتتهم منظمات حقوق الإنسان حكومتها بإساءة استخدام مؤسسات الدولة لترسيخ إمساكها بالسلطة والقضاء على المعارضة، بما في ذلك عبر القتل خارج نطاق القضاء.
ردود فعل دولية حول بنجلادش
وأثارت الحادثة ردود فعل دولية، إذ دعت المملكة المتحدة الى عودة "الهدوء" و"نزع فتيل التوتر"، بعد أن أعلن الجيش أنه سيشكل قريباً حكومة انتقالية إثر فرار رئيسة الوزراء الشيخة حسينة.
وقال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي في بيان: "على جميع الأطراف الآن أن يعملوا معاً لوضع حد لأعمال العنف واستعادة الهدوء والتوصل إلى نزع فتيل التوتر".
ودعا الأمين العام للامم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى الهدوء في بنجلادش بعد استقالة وفرار رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، مشدداً على الحاجة إلى "انتقال ديمقراطي وسلمي ومنظم" في هذا البلد. وقال فرحان حق، المتحدث باسم جوتيريس، إن الأخير "يتضامن بشكل كامل مع شعب بنجلادش ويدعو إلى الاحترام التام لحقوقه الإنسانية".
إلى ذلك، دعت وزارة الخارجية الأمريكية كل الأطراف إلى تجنب العنف في بنجلادش.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر للصحافيين: "نحض كل الأطراف على الامتناع عن المزيد من العنف. لقد فقدت أرواح كثيرة في الأسابيع القليلة الماضية، ونحن ندعو إلى الهدوء وضبط النفس في الأيام المقبلة".
وأضاف: "نرحّب بالإعلان عن حكومة انتقالية ونحضّ على أن تراعي أي عملية انتقالية قوانين بنغلادش". وأعرب ميلر عن "حزن عميق" للولايات المتحدة لورود تقارير عن "انتهاكات لحقوق الإنسان وسقوط قتلى وجرحى في نهاية الأسبوع والأسابيع الماضية".
من جانبه، دعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومقره الدوحة، الجيش في بنجلادش لحماية البلاد وحدودها، وتسليم السلطة لحكومة مدنية مؤقتة، تمثل ممثلي الشعب الحقيقيين، وتقوم بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في البلاد. وناشد الاتحاد في بيان، أصدره اليوم الاثنين، الجميع بالحفاظ على الأمن والأمان، وعلى أموال الأفراد والدولة، ومنع أي عدوان على الأنفس والأعراض والأموال، وقال إن "هذا واجب شرعي لا يجوز التساهل فيه تحت أي ذريعة".
وأكد الاتحاد أن "الدماء الزكية للعلماء والدعاة والمربين التي أراقها النظام السابق لن تذهب سدى، لذلك يناشد الاتحاد الأمة بالحفاظ على هويتهم الإسلامية المعتدلة، وعلى أمن البلاد، ومنع الفوضى، والاضطراب، ومنع التدخل الأجنبي من أي بلد، وقطع دابر الفتنة من أي أحد، وبذل الجهود كلها على وحدة الكلمة، ورأب الصدع، والاتفاق بسرعة فائقة لملء الفراغ السياسي بشكل يخدم البلاد والعباد، بعيداً عن الأجندة الخارجية، والمصالح الشخصية، ويمنع الاستبدادية والاستبداد".
في الشأن ذاته، شدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة "ضمان انتقال منظم وسلمي نحو حكومة منتخبة ديمقراطياً" في بنجلادش. وأعرب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل في بيان عن "حزنه للخسائر المأساوية في الأرواح خلال المظاهرات في الأيام الأخيرة" في بنجلادش، داعياً إلى الإفراج عن المتظاهرين "الموقوفين تعسفاً".
وأضاف أن ضمان حصول "انتقال منظم وسلمي نحو حكومة منتخبة ديمقراطياً، في إطار الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمبادىء الديمقراطية، هو أمر أساسي".
وشدّد مفوّض حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، أمس الأحد، على "وجوب وضع حد للعنف المروّع في بنغلادش"، وحذر أستاذ السياسة في جامعة إيلينوي والخبير في شئون بنجلادش علي رياض من أن حسينة متمسكة بمواقفها. مضيفاً أنه يشعر "بقلق بالغ" إزاء الأزمة، وقال رياض: "هذه انتفاضة شعبية غير مسبوقة بكل المقاييس"، مضيفاً: "كما أن شراسة الأطراف الحكومية والموالين للنظام لا مثيل لها في التاريخ". وشوهد متظاهرون في داكا وهم يتسلقون تمثالاً لوالد الشيخة حسينة الشيخ مجيب الرحمن، زعيم الاستقلال، ويحطّمونه بالمطارق، بحسب ما أظهرت مقاطع مصورة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.