بقلم: د. أحمد محمد زايد

سأعرض فيما يلي سمات ومواصفات الكتاب الناجح والمؤثر المطلوب دعويًّا، وهذه السمات إجمالاً كالآتي:

1- تربوي هادف

2- فيه روح الاستعلاء والعزة والتفاؤل

3- واقعي معاصر

4- يتميز بالدقة والأمانة البالغة

5- يركِّز على الثوابت ويُبرز الأصول

6- ينصف العلماء ويقدِّرهم

 

أولاً: تربوي هادف

لا تستقيم الحياة إلا باستقامة النفوس.. تعهد مستمر.. منهج قويم.. ولا تستقيم النفوس إلا بمخططٍ تربوي، قوامه بيئة صالحة، أما الكلمات العابرة والمواعظ الوقتية، فإنها لا تُقيم أمةً، ولا تُنشئ حضارةً، ولا تنهض بإنسان، وهي وإنْ أثَّرت بعضَ الوقت إلا أنها لا تنهض أن تكون عماد نهضة قوية.

 

ولا بد في هذا المخطَّط التربوي الإسلامي من فهمٍ للمنهج فهمًا يعصم من الانحرافِ في السلوك أو الانحراف في تقليدٍ بلا وعي، ومع الفهم لا بدَّ من الاستجابةِ للتعهُّد المستمر مع التفاعل داخل البيئة الصالحة، ولهذا كله يجب علينا نحن الدعاة إلى الله تعالى أن نُحسنَ أولاً عرض الإسلام ليستقيم الفهم الذي ينعكس أثرُه على السلوك، وهذا العرض ينبغي أن يكون عرضًا تربويًّا مؤثِّرًا ولا يكون كذلك إلا بتوفُّر أشياء، منها:

- فقه مخاطبة النفوس والتأثير في القلوب.

- الحيدة والموضوعية.

- البساطة وعدم التكلف.

- التركيز على الأصول والكليات الجامعة.

- ومراعاة إبراز الجوانب العملية للنظريات.

- البعد عن الحشو المملّ والتكرار المُنسي والتفريعات التي يُنسي آخرُها أولَها.

- الأولويات في كل مسألة.

 

وإذا كان حب اللفظ داءً كما قال النورسي فلا ينبغي أن نهتم باللفظ على حسابِ المعنى، ولا نُضحِّي بالحقائق في سبيل تشبيهات وتصويرات رنَّانة.. ولا شكَّ أنَّ الكاتبَ إن لم يراعِ هذه الأشياء وغيرَها فإنه حينئذٍ يدَعُ فرصةً للقارئ أن يستهين بالقضية المخاطَب بها، في حين أنه يجب إذا صادفَت شيئًا لديه أن يشعر بأن الكاتبَ يخاطبه، ويحلُّ مشكلته، ويعالج داءه، ويأخذ بيده من وهْدته، وينطلق به من عقيدة التوحيد وتنمية الدوافع؛ لتحقيق مقتضياتها، وإذكاء روح الإيمان في النفوس؛ بحيث يتوازى مع قدر الأعباء والتكاليف والمسئوليات.

 

هذا كله يجعل الكتاب مؤثرًا وهادفًا، ويساعد في هذا احتواء الكتاب على أدلةٍ قرآنيةٍ ونبوية، وأقوالٍ للسلف، وآراء للفقهاء، وحوادث من التاريخ وشواهد من الواقع بصورةٍ ترسِّخ القضية وتعمِّقها في فكر القارئ بكل أبعادها وأهدافها.

 

ثانيًا: فيه روح الاستعلاء والعزة والتفاؤل

لا شك أن العالَم الإسلامي اليوم يدفع ضريبةَ البُعد عن الإسلام، والركون إلى الظالمين، واتِّباع سنن من قبلنا، وهي "ضريبة الذل"، كما يسمِّيها سيد قطب- رحمه الله- ولا يُخفي الأعداء أحقادهم عن أحد، فكل يوم يغتصبون أرضًا للمسلمين وينتهكون عرضًا، ويَحْلَولِكُ الحالُ يومًا بعد يوم، ويستيئِس المسلمون كلما نظروا حالهم، ويظنون ألا فرج ولا مخرج.

 

ويرى الدعاة أن الهزيمةَ النفسيةَ قد دبَّت إلى القلوب؛ فأحدثت ذلاًّ واستسلامًا، والكاتب الذي يخاطب المسلمين- وهم يعيشون هذه الآلام ويَحيَون وسط هذه الهموم- لا بد له من نظرةٍ تفاؤلية تستشرف الوعود الإلهية بنصرة الإسلام والمسلمين، وما أكثرها في كتاب الله وفي السنة الصحيحة.. إنها مبشراتٌ تبعث الأمل وتُحيي نبْتَ التفاؤل والأمل.

 

ومهمة الداعية الكاتب التبشير والدفع إلى الأخذ بأسباب النهضة والتمكين؛ لأنه مُربٍّ، والمربي لا (يقتصر في نظرته على الحاضر بهمومه وآلامه وهو يعلم قول الله تعالى ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، ويعلم أن دوام الحال من المحال، وهذه من سنة الله في الخلق) معايشة الكاتب لوعود النصر، إدراكه لأسباب الاستخلاف والنهوض، ودراسته لقوانين وسنن الكون، وعوامل أساسية؛ ليسجِّلَ بقلمه شهادةً قويةً دافعةً، وذلك لأن روحَ الكاتب تنتقل- حتمًا- إلى القارئ أراد أم لم يُرِدْ، والكاتب إذا كتب بروح الانهزامية والاستسلام فإنه- عندئذ- سيتتبَّع جوانب الرُّخَص، ويتنازل في الغالب عن أشياء لا بدَّ له من إعلانها، وربما لوَّى أعناقَ الأدلة، ومحا وجه الحقائق خوفًا أو طمعًا أو إرضاءً لصاحب هوى أو خوفًا من تسلط ظالم.

 

وتصطبغ الكتابة بروح الاستعلاء والتفاؤل متى كان الكاتب نفسه عمليًّا، يتحرك بالإسلام وللإسلام، ولا تكون مثل هذه الروح إذا كان صاحبها يعيش في بُرجٍ عاجٍ، فالعمل والجهد والمعاناة لنصرة هذا الدين هي التي تُولِّد تلك الروح العالية الوثَّابة.

 

ومعنا درسٌ في التفاؤل من واقع العمل والبذل من غزوةِ الأحزاب "قال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرةٌ لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربةً، وقال: الله كبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله كبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني".

 

يبشر الداعية الأول أصحابه ببشائر عظيمة فيها الفتح والتمكين، وسط هذه الأهوال التي يصوِّرها الله تعالى قائلاً: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10)﴾ (الأحزاب) فلم يشأ رسول الله أن يدع هؤلاء الجند تأكلهم روح اليأس، بل إنه يبشر بنصر الله للمؤمنين.

 

إن الحركة بالإسلام والدعوة إليه والمعاناة في سبيل نشره وتبليغه هي التي تعطي الكاتب عنه فيضًا لا ينضب من الاستبشار والتفاؤل؛ ليقينه أن النصر للعاملين فتكون كلماته تحريكًا لجمهوره إلى تحقيق ما أملوه وتفاءلوا به.

 

نموذج قرآني في سورة النمل، نموذج لكتاب من نبي كريم يحمل خطابًا عزيزًا من سليمان عليه السلام إلى بلقيس ملكة سبأ، فلما وصلها ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ (النمل) قال سيد قطب: "وهذا الوصف ربما- ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾- خطر لها من خاتمه أو شكله أو من محتوياته التي أعلنت عنها للملأ: وهي كانت لا تعبد، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين لله ولكنَّ صيت سليمان كان ذائعًا في هذه الرقعة، ولغة الكتاب الذي يحكيه القرآن فيها استعلاء وحزْم وجزْم مما قد يوحي إليها بهذا الوصف الذي أعلنته، وفحوى الكتاب في غاية البساطة والقوة، فهو مبدوء بسم الله الرحمن الرحيم، ومطلوب فيه أمرٌ واحدٌ ألا يستكبروا على مرسِلِه ويستعصوا، وأن يأتوا إليه مستسلمين لله الذي يخاطبهم باسمه".

 

ونلحظ أثر هذا الاستعلاء وتلك العزة من ردّ فعل الملكة حيالَ ما وصلها من كتاب، فردُّ فعلها يدل على "أنها أخذت بهذا الكتاب الذي ألقِيَ إليها من حيث لا تعلم، والذي يبدو فيه الحزم والاستعلاء، وقد نقلت هذا الأثر إلى نفوس الملأ من قومها وهي تصف الكتاب، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين؛ بأنه كريم، وكانت النتيجة أن يقول الإمام حسن البنا- رحمه الله- "لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، ولا زال في الوقت متسَع، ولا زالت عناصر السلامة قويةً عظيمةً في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد، والضعيف لا يظل ضعيفًا طول حياته، والقويّ لا تدوم قوته أبدَ الآبدين.. بمثل﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص) بهذه الروح يكون الكتاب ناجحً وهادفًا ومؤثرًا.

 

ثالثًا: واقعي معاصر

 قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32)﴾ (الفرقان) نزل القرآن الكريم "ليربِّيَ أمةً وينشئ مجتمعًا ويقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثُّر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع، والنفس البشرية لا تتحوَّل تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب شامل للمنهج الجديد، وإنما تتأثر يومًا بعد يوم بطرف من هذا المنهج وتتدرَّج في مراقيه رويدًا رويدًا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئًا فشيئًا، فلا تجفل كما تجفل لو قُدِّم لها ضخمًا ثقيلاً عسيرًا، وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية، فتصبح في اليوم التالي أكثر استعدادًا للانتفاع بالوجبة التالية وأشدّ قابليةً لها والتذاذًا بها.

 

ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها، وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية على علم بها من خالقها، فجاء ذلك منجمًا وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها، ووفق استعدادها الذي ينمو يومًا بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق.. جاء ليكون منهجَ تربية ومنهاجَ حياة، لا ليكون كتاب ثقافة يُقرأ لمجرد اللذَّة أو لمجرد المعرفة، جاء لينفَّذ حرفًا حرفًا وكلمةً كلمةً، وتكليفًا تكليفًا، جاء لتكون آياته هي الأوامر اليومية التي يتلقَّاها المسلمون في حينها ليعملوا بها فورَ تلقيها كما يتلقَّى الجندي في ثكنة أو في الميدان الأمرَ اليوميَّ مع التأثر والفهم والرغبة في التنفيذ ومع الانطباع والتكيف وفق ما كان يتلقاه عليه رسول الله.

 

من أجل هذا نزل القرآن مفصَّلاً، يبيِّن أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول ويثبّته على طريقه ويتتابع على مراحل الطريق رتْلاً بعد رتل، وجزءًا بعد جزءٍ".

 

إن هذه المرحلية وهذا التفريق والترتيل يعني مراعاة الوقائع وملاحقة الأحداث، والتفاعل معها في حينها لتقويم مسارها، وقد قرر العلماء ضرورةَ مراعاة الأحوال والوقائع؛ ولهذا نرى ابن القيم مثلاً يعقِد فصلاً بعنوان: "فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"، وليس معنى هذا أن نخضع للواقع على ما فيه من انحرافات وأخطاء، فنطوِّع الدين لضغوط الواقع، أو نبرِّر الأخطاء أو بتسويغ الباطل، أو نقف مشدوهين أمام فكر الآخر، بل لا بد من المحافظة على الثوابت وفهم المتغيِّرات في ضوئها، وإعلان الأصول والكليات، وردّ الفرعيات والجزئيات إليها، وبذلك نكون قد جمعنا بين الأصالة والمعاصرة؛ فالواقعية المنشودة هي صياغة الواقع بتعاليم الإسلام، وتشكيله بمبادئه كما شكَّل القرآن المجتمعَ الإسلامي الأول بمواكبة نزوله أحداث الواقع، وأيام الناس.

 

إن واقعية الكتاب وعصريته التي نتحدث عنها لا تعني الانسلاخ من الماضي وبدء الحياة من الصفر، وإنما هي استفادة من الماضي للحاضر، فالتاريخ يعيد نفسه، وبمقدار فهمنا لتراثنا، وقدرتنا على تحليل أحداثه تكون إفادتنا منه.

 

رابعًا: متميز بالدقة والأمانة البالغة

الكتابة عن الإسلام توقيع عن الله تعالى كما قال ابن القيم، وهذا أمرٌ له من الجلال والهيبة ما يحتِّم على الكاتب أن يكون أمينًا دقيقًا، وقد كان المسلمون عبْر تاريخهم "معروفين بالدقة والأمانة والحذَر، فقد كانوا يَعتبرون مؤلفاتهم خدمةً للكتاب العزيز وتعريفًا به، فهي إما تكون مستمدةً من القرآن الكريم أو حياطةً له، أو تفسيرًا له، أو جمعًا يعين على فهمه، أو علمًا من علومه، فكان القرآن مركز التأليف، وكان بيانه هدف العلماء، والأمر كذلك في الحديث النبوي، كان التحرِّي فيه يبلغ الغاية فكانت أمانتهم المنبثقة عن دينهم دافعةً لهم إلى الدقَّة والحذر.

 

لقد كانت الدقَّة والأمانة بل والعطاء غير المحدود ديدن العالِم المسلم لتوفير المادة العلمية على أنقى مستوى، وأعظم ضبط؛ حتى صارت مؤلفاتهم أمهات المصادر التي لا يستغني عنها دارس ولا باحث في أي مادة علمية".

 

وامتدت الدقة والأمانة عند علماء الأمة حتى شملت العلوم جميعها، فلم تكن "وقفًا على تدوين العلوم الشرعية، وإنما كان ذلك طابع العلماء المسلمين في مختلف العلوم والفنون، فإن الأمر مَبناه الأمانة وهي صفة لا تتجزَّأ، كما أن نظرة العلماء المسلمين كانت ترى أن توفُّر الأمانة في تدوين أي علم هو في ذاته خدمةٌ للكتاب العزيز والسنة المطهرة" ومن أمانة الكاتب ودقته أن ينسب القول إلى قائله، قال القرطبي: "يقال من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله"، ومن الأمانة مراجعة الحق، فلا يحملن الكاتب وثوقه بنفسه وبمستواه على الشعور بالعصمة أو الكمال؛ بحيث لا يراجع خطأً وقع فيه، أو حقًّا عارضه أو جانَبَه، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في رسالته إلى أبي موسى الأشعري- رضي الله عنهما-: "لا يمنعك قضاءٌ قضيتَ فيه اليوم فراجعت فيه رأيَك، وهُديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحقَّ قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".

 

ومن كمال ذلك أن يكتب ما له وما عليه، قال وكيع بن الجرَّاح رحمه الله: "أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم"، وبعض الذين يكتبون عن الإسلام تسيطر عليهم اتجاهاتهم الفكرية أو انتماءاتهم المذهبية، حين الكتابة فيغلبونها على الحق الخالص والحيدة النزيهة، والأمانة هنا تقتضي ذكر كل الآراء والاتجاهات بإنصاف وحَيدة دون التعصُّب لرأْيٍ إلا ما كان حقًّا خاصًّا ثابتًا صحيحًا، ومن الأمانة كذلك التوقف فيما لم يتبيَّنْ فيه وجه الحق أو لم تبلغه العقول بعد، فلا ينبغي اقتحام مَجاهل لا تبلغها العقول؛ ولأن يقول الإنسان لا أعلم خيرٌ له من أن يضلَّ الناس بجهل أو هوى، هذا الأدب علمَنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُئل: أي البقاع خير؟ فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل جبريل، فقال لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء فقال: خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق".

 

خامسًا: يركِّز على الثوابت ويُبرِز الأصول

هناك أصول وثوابت عقدية وخلُقية وفكرية تحفظ دينَ المرء وكيانَ الأمة، لا بد أن تدور معه ويدور معها مهما كانت الأحوال، فهي نقطةُ ارتكازه، ومركزُ اتزانه، وعالَم اليوم عالمٌ مفتوح، ربَّما توارت فيه الإقليميات، وبرز فيه ما يسمَّى بالعولمة؛ بسبب التقدم الهائل في وسائل الاتصال، فيا ترى أهي عولمة يصير فيها الأفراد، وتصبح فيها الأمم نسخًا كربونيةً لا امتيازَ لإحداها عن الأخرى، أم المفروض أن تحتفظ كل أمة بخصائصها وثوابتها وأصولها؟!

 

ما نراه أن العدوَّ يريد أن يسلب إرادة أمتنا، ويمسخ عقلها لتفكر بعقلية هذا الغالب، ويساعد في هذا أن حضارة العصر المادية- والتي غلبت على مظاهر حياتنا- لم نصنعها نحن، وإنما تلقَّيناها باستسلام وغفلة، فأثَّر ذلك على ثوابتنا وعلى هويَّتنا حتى رأينا من أبناء الأمة من ينادي بحتمية اللحوق بأهل هذه الحضارة الزائفة لحوقًا كاملاً دون تمييز.

 

نقول: قد يكون نداء العولمة مفيدًا للشعوب والأمم في انفتاح كل أمة على الأخرى، وإفادتها مما لديها بما لا يؤثر على ذاتها، لكن ما قيمة هذه الاستفادات إذا ذابت معها معالم الأمة المسلمة وانمحت هويتها، وذهبت خصائصها؟! والإسلام دين عالمي، لكنه بعالميته تلك لا يلغي خصائص الأمم؛ حيث يعترف لكل أمة بحقِّها، بخلاف غيره.

 

في طل هذا الصراع المحتدم والغزو العالمي وجب أن يركِّز الدعاةُ على الأصول والثوابت، ويُبرِزوا الخصائص والمعالم في العقيدة والفكر والخلق والعبادة؛ ليمتلك المسلم المقاييس الصحيحة للحكم على الأشياء وأدوات التمييز بين الغثِّ والثمين، وهذا لا شكَّ سياجٌ يحفظ له كيانَه، فلا تذوب شخصيته وسط هذا المزيج من الأفكار، وهذه السمة هي مسلك القرآن الكريم، فهو لا يخلّد قضية ميتة، ولا يذكر قضية لا تفيد، وبتحقيق هذه السمة تخرج كتاباتنا قويةً بنَّاءةً عظيمةَ المردود والأثر.

 

سادسًا: ينصف العلماء ويقدِّرهم

العلماء هم رموز الأمة وأعلامها، وهم بمثابة الأعمدة للبيت، يتذبذب المجتمع الإسلامي بانتقاصهم أو التطاول عليهم والطعن فيهم، والكاتب يتعرَّض لذكر أقوال العلماء واجتهاداتهم وربما استقرَّ رأيُه على رأي أحدهم فرجَّحه، وربما وقع نظرُه على هفوة لعالم جانَب الصوابَ فيها لعلَّة معروفة أو غير معروفة، وهذا من طبيعة البشر، فالذين يعرفون ظروف العلماء وملابسات اجتهاداتهم وطبيعة القضايا التي اجتهدوا فيها، والظروف التي وُجدوا فيها، يعلمون يقينًا أن مثل هذه المآخذ أمرٌ طبيعيٌّ، ومن لم يدرك هذه الأمور وقع في المحظور تجاه العلماء، وأبعد عن الإنصاف معهم.

 

والعلماء لهم خصوصية في التعامل معهم عامةً ومع أخطائهم خاصةً.. قال سعيد بن المسيب: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيبٌ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبُه، فمن كان فضله أكثرَ من نقصه وُهِب نقصُه لفضله".

 

إن الأدب في التعامل مع العلماء أمرٌ لازم، سواءٌ كانوا أحياءً أو أمواتًا؛ وذلك لحفظ مكانتهم في القلوب.. يقول حاجي خليفة: "على المؤلف أن يبذل النصرة فيما قد التزم شرحه بقدر الاستطاعة، ويذبَّ عن ما قد تكفَّل إيضاحه بما يذبّ به صاحب تلك الصناعة؛ ليكون شارحًا غير ناقض وجارح، ومفسرًا غير معترض.. اللهم إلا إذا عثر على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح، فحينئذٍ ينبغي أن ينبّه عليه بتعريضٍ أو تصريح متمسكًا بذيل العدل والإنصاف، متجنبًا عن الغيّ والاعتساف؛ لأن الإنسان محلُّ النسيان، والقلم ليس معصومًا من الطغيان.

 

فينبغي أن يتأدَّب عن تصريح الطعن للسلف مطلقًا ولكن بمثل قيل، وظُنَّ، ووُهم، واعتُرض، وأُجيب، وهذا أدبُ الفضلاء من المتأخِّرين فإنهم تأنَّقوا في أسلوب التحرير وتأدَّبوا في الردِّ والاعتراض على المتقدِّمين بأمثال ما ذكر؛ تنزيهًا لهم عما يفسد اعتقاد المبتدئين فيهم، وتعظيمًا لحقهم، وربما حملوا هفواتهم على الغلط من الناسخين لا من الراسخين، وإن لم يكن ذلك قالوا: لأنهم لفرط اهتمامهم بالمباحثة والإفادة لم يفرغوا لتكرير النظر والإعادة وأجابوا عن لمزِ بعضهم بأن ألفاظ كذا وكذا ألفاظ فلان بعبارته بقولهم: إنا لا نعرف كتابًا ليس فيه ذلك".. كل هذا لئلا يعرض الناس عن العلماء، أو يفقدوا الثقةَ فيهم فيفوتهم بذلك خير ما عندهم.

 

وخلاصة هذه السمة أن المؤلف لا بد أن يحفظ كيان العلماء بالثناء عليهم وإنصافهم، والتغاضي عن هفواتهم، والتماس الأعذار لهم، والتثبُّت مما ينسَب إليهم، وإبراز محاسنهم ليثِقَ الناس بهم ويأخذوا عنهم، إذا تحققت هذه السمات في الكتاب الدعوي فإنه حينئذٍ يكون كتابَ بناءٍ لا هدم، كتابَ دعوة لا نزوة، كتاب فكرة لا عثرات قلم.