بصفةٍ عامة، وبعيدًا عن التعريفات الفنية، تعتبر "البورصة" سوقًا للأوراق المالية، أي الأسهم والسندات، وهذه السوق تقوم بدور الوساطة المالية بين المدخرين، أي مَن لديهم فائض تمويلي وبين المستثمرين، أي مَن يحتاجون إلى تمويل مشروعاتهم الاستثمارية، وكلما كانت السوق كبيرة نسبيًّا من حيث عدد الأوراق المتداولة ومن حيث حجم التعاملات وكلما كان المناخ الاستثماري والاقتصادي والسياسي يتمتع باستقرارٍ نسبي، كانت السوق أكثر استقرارًا في أسعار أوراقها.

 

وتعد بورصة الأوراق المالية المصرية من الأسواق المالية "الصغيرة" و"الناشئة" نسبيًّا، وعلى ذلك تتأثر بشكلٍ كبيرٍ ومباشر بأداء الشركات المُسجَّلة فيها، وأداء الاقتصاد ككلٍ من ناحية، ومناخ الاستثمار من ناحيةٍ أخرى، كما تتأثر بشكلٍ غير مباشر بالعديد من العوامل الأخرى غير الاقتصادية الداخلية والخارجية، ومن ثم تنعكس هذه العوامل جميعًا على تصرفات المتعاملين في البورصة من أفراد ومؤسسات وبالذات الأفراد، والذين يشكلون حوالي ثلثي المتعاملين.

 

ولقد شهدت البورصة المصرية في الأيام القليلة الماضية تراجعًا حادًّا في أسعار الأوراق المتداولة بعامة؛ إذ انخفض المؤشر العام للأسعار في البورصة بنحو 800 نقطة خلال الثلاثة أيام الأخيرة من يناير الماضي، وبلغت نسبة الانخفاض في مستوى الأسعار 2.54% يوم الإثنين الموافق 29 من يناير 2007م، كما أن معظم الأسهم التي انخفضت كانت لشركاتٍ ناجحة، ذات نتائج أعمال جيدة مثل أبو قير للأسمدة الكيماوية والعربية لحليج الأقطان، وحديد عز، والمصرية للاتصالات، والمجموعة المالية "هيرمس" ومجموعة أوراسكوم.

 

ولقد تزامن هذا الانخفاض مع أحداث وعوامل مختلفة، كان على رأسها التحفظ على نحو 40 شركةً والأموال السائلة والعقارية والمنقولة المملوكة لـ 29 من رجال الأعمال المنتمين للإخوان وفقًا لقرار النائب العام على ذمةِ التحقيقات التي تجريها نيابة أمن الدولة العليا، بعد أن تمَّ اعتقالهم ثانيةً فور قرار الإفراج عنهم من محكمة جنايات القاهرة.

 

ولقد قفز البعض إلى ادعاء أنَّ هذا التراجع الحاد يرجع إلى سحب أفراد من جماعة الإخوان المسلمين لأموالهم المُوظَّفة في البورصة، والتي قدَّرها بنحو 21 بليون دولار أمريكي دون سندٍ أو توثيقٍ أو بيِّنة، ولمزيدٍ من الإثارة وحبكة هذا الادعاء، وتوكيده ادَّعى هذا البعض بأنَّ هذا السحب تمَّ بأوامر مباشرة من قيادات الجماعة!!.

 

وفي ضوء أنَّ بورصات العالم أجمع تتأثر بالعوامل غير الاقتصادية تأثرها وربما أكثر بالعوامل الاقتصادية الداخلية والخارجية، كما تتأثر بالشائعات والعوامل النفسية للمتعاملين وعمليات المضاربة على توقعاتِ الأسعار في المستقبل، وفي ظل ندرة "الشفافية" بعامة، ومحدودية المعلومات بخاصة في البورصة المصرية، وانخفاض عدد الشركات المُسجَّلة فيها سوف نناقش هذا الادعاء أو الافتراض.. فأولاً، شركات الأفراد المنتمين للإخوان التي أُغلقت، جميعها غير مسجلٍ أصلاً في البورصة، وثانيًا لا يمكن الجزم بأن الأموال التي سُحبت مملوكة لأفرادٍ منتمين للإخوان، وكانت مُوظَّفة في شركاتٍ مقيدة في البورصة، إذ لا يوجد مستند رسمي يُدعم هذا الادعاء، كما أنَّ المسئولين بالبورصة بادروا بنفي هذا الادعاء جملةً وتفصيلاً.

 

المنطق التحليلي في هذا المجال يشير إلى أنَّ بعضَ العوامل الداخلية والخارجية ساهمت في بثِّ الذعر في نفوس المتعاملين؛ مما أدَّى إلى هذا الهبوط، والذي قد لا تبرره العوامل الاقتصادية البحتة، وعلى رأس هذه العوامل ما يلي:

1- انهيار البورصات العربية الخليجية نتيجة التهديد الأمريكي بشنِّ حربٍ ضد إيران، مما دفع المستثمرين العرب إلى سحبِ أموالهم من البورصة المصرية لمواجهة خسائرهم في الخليج.

 

2- منطق "القطيع" بمعنى أن أية حركة هبوط في الأسعار من السهل أن تؤثر نزوليًّا نتيجة صغر حجم البورصة من ناحية، وبسبب ذكرى انهيار البورصة يوم "الثلاثاء الأسود" في فبراير الماضي 2006م من ناحيةٍ أخرى، مما دفع الكثير من المتعاملين إلى التخلص من أسهمهم خشية مزيدٍ من الهبوط.

 

3- تدمير مناخ الاستثمار بغلق شركات ناجحة، كان وما زال الاقتصاد المصري في أمسِّ الحاجةِ إلى مثيلاتها للخروج من حالةِ التخلف والركود التي يعيشها في السنوات الأخيرة، بالإضافةِ إلى التحفظ على أموال أصحابها وأسرهم من منطلقٍ أمني وسياسي مما لا يشجع المستثمرين وطنيين وأجانب على التعامل في ظل هذا المناخ الطارد للاستثمار.

 

4- إصرار النظام على تأبيد استيلائه القسري على السلطةِ من خلال التعديلات الدستورية التي طرحها، مما يعني استمرارية الوضع القائم، وما يتصف به من فسادٍ واستبدادٍ ينعكس مباشرةً على الجانب الاقتصادي لحياةِ الفرد والمجتمع!

 

وعليه يُعدُّ المسئول الأول والأخير عمَّا يحدث للبورصة المصرية- في النهاية- هو النظام بتصرفاته غير الرشيدة في إدارةِ الاقتصاد وتصرفاته الأمنية غير المسئولة تجاه رجال أعمال ناجحين بكل المعايير، مما يُشكِّل كارثةً حقيقيةً تصيب الاقتصاد المصري، وتعمق مشكلاته الهيكلية من تفشي ظاهرةِ الفقر وتفاقم البطالة، وجموح ارتفاع الأسعار، وانتشار ثقافة الفساد، وزيادة مشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي نتيجة هذه المشكلات حدةً وعمقًا.