تحقيق: هبة الله عبد الرحمن
يكتوي كلٌّ من الأب والأم بنار الحروب الصغيرة التي تدور في أرجاء المنزل، وهي مشاجرات الأبناء بين بعضهم البعض، وقد يشتد وطيس هذه المعارك حتى تنغِّص حياة مَن حولهم، فيشكو كل بيت وتئنُّ كل أسرة وتستغيث كل أمّ، خاصةً في أوقات الإجازات والصيف؛ حيث يدفع الفراغ والملل الأبناءَ إلى التسلية مع بعضهم البعض، من خلال الشجار والنكد صباحًا ومساءً على أي شيء وكل شيء!!
تُرى ما أسباب هذه الحروب المستمرة؟ وما السبيل إلى إخمادها؟ وكيف تؤثر الطريقة الخاطئة في معالجتها على العلاقة بين الأبناء في المستقبل؟ هذه التساؤلات وغيرها تحاول أن تجيب عليها السطور القادمة:
أختي تغيظني
تقول مها (13 سنة): أختي الصغيرة (9 سنوات) عنيدة لا تسمع كلامي حتى لو كان ما أقوله لها حقًّا وصدقًا، تفتح التلفاز على صوت مرتفع، وتضيء نور الغرفة فلا أستطيع النوم، تتطاول عليَّ بالكلام فتثير غيظي، فأردُّ عليها ونتنابز بالألقاب وتشتعل المشادَّة الكلامية بيننا.
وتضيف مها: لطالما هممت أن أوجِعَها ضربًا كما يفعل أخي الأكبر، ولا يمنعني إلا الخوف على صحة والدي الذي أثَّرت فيه هذه المشاجرات، لدرجة أنه قال لي أحيانًا أفكِّر أن أذهب إلى مكان بعيد لا يعرفني فيه أحد، وأرسل لكم المصروف عبر وسيط أمين لأنني لم أعد أطيق العيش بينكم.. بل إنه شكا لي قائلاً: إن قلبي يؤلمني، ربما يصيبني شجاركم بأزمة قلبية!!
مقاطعة الأخ
أما ممدوح (12 عامًا) فقد لجأ إلى فكرة جديدة؛ إذ يقول: لطالما اشتبكت مع أخي الصغير (9 سنوات) بالأيدي والأرجل، فهو سليط اللسان، لا يحترمني، ويعبث بأدواتي، وكثيرًا ما تصرخ والدتي: (أيها الملاعين ألا تكفون عن الشجار؟!)، وأخيرًا لجأت إلى أن أقاطع أخي ولا أكلمه ولا أتعامل معه؛ جزاءً على سوء أدبه وحتى أخلص أمي من شجارنا.
وعن نتيجة المقاطعة يقول ممدوح: لا أعرف ما إذا كانت هذه المقاطعة مجدية أم لا.. المهم أنني أستريح الآن من أخي الصغير المزعج.
تفضيل الأصدقاء
وتقول نهى (8 سنوات): أخي الأكبر لا يتفاهم معنا، لا يستطيع أن يحدِّثنا بهدوء، فكل حواره صراخ وأوامر وتعليمات، وأتعجَّب حين أراقب تعامله مع أصدقائه الذي يختلف كلَّ الاختلاف عن علاقته بنا، فهو يجامل أصحابه ويمزح معهم، ويتودَّد إليهم، حتى إنني قلت له في إحدى النزاعات: ليتني كنت "وليد" صديقك حتى تحبَّني وتمزح معي.
مناوشات سريعة
قلوب الإخوة لا تحمل ضغينةً على بعضهم، فما هي إلا مناوشات سريعة وبسيطة وتنتهي مع أول ابتسامة ترسمها شفاه أحدهم، ورغم كثرة الشجار بين الإخوة في المنزل إلا أنه إذا مرَّ أحدهم بشدة سرعان ما يهبُّ الجميع لنجدته.. هكذا يقول مهنَّد عن علاقته بإخوته، ويضيف: إذا تطوَّرت الشجارات ينبغي أن يسعى الأخ الأكبر لإخمادها، فهو الكبير، وهذه مسئوليته.
الإجازات
تقول أم عبد الله: أصبحت أكره الإجازات، فرغم أنها فرصة أستريح فيها من عناء المذاكرة للأولاد والاستيقاظ مبكِّرًا لإعداد الإفطار وتجهيز الأولاد للمدرسة إلا أنها تمثِّل ضغطًا عصبيًّا شديدًا بكثرة المشاحنات والشجارات على الصغير والعظيم من الأمور.
ويقول محمود كرم (أب لأربعة أولاد): هذا الجيل يختلف تمامًا عن جيلنا.. أذكر أنني عندما كنت صغيرًا كنت أحبُّ إخوتي، ونادرًا ما كان ينشب بيننا شجارٌ، وإذا حدث وتشاجرنا معًا كان الذهول يخيِّم على البيت من هَول الحدث الرهيب، أما هذا الجيل الفظّ الغليظ فلا يكفُّ عن الشجار حتى أصبح يألف النكد ويتفنن في العراك.
لماذا الشجار؟
يقول الحكماء: إن معرفة الداء نصف الدواء، فعلينا أن نتعرف على أسباب الشجار بين الأبناء حتى نصل إلى الأسلوب الأمثل في التعام