بقلم: نور الهدى سعد
كانت بيننا كالنَّحلة الدءوب نشاطًا وعطاءً.. حلقات درسها الأسبوعي يزيد عدد من يرتادها مرةً بعد مرة، وأفكارها في مجال الدعوة محلُّ كل إعجاب وتقدير، إخلاصها بيِّن، وغيرتها على دينها ليست محلَّ شكّ، بصماتها في كل عمل دعوي واضحة، وتواضعها يستجلب الاحترام والإعجاب.
كنت أجلس بين يديها أتلقَّى عنها العلم، فأشعر بأنني في محراب من الحكمة والزهد، وكان حبِّي لها في الله يتضاعف يومًا بعد يوم، حتى خلتُها تجري مني مجرَى الدم من فرط تعلقي بها.. معلمةً وقدوةً.
وكان أكثر ما يجذبني من كلامها حديثها عن البيت المسلم، مظهرًا وجوهرًا، فصار حلمي أن يكون بيتي في المستقبل كما صوَّرته لنا هي.. واحة عبادة، وخميلة حبٍّ في الله، ومعسكر تربية إسلامية قويمة للأبناء، وقِبلة للزائرين، ومرفأ يجد فيه الحائرون أمانهم.
كانت علاقتي بها عبر المسجد فقط، حتى أحسسْتُ أنني لا بد أن أزورَها لأرى كيف يجسِّد بيتُها المعاني الرائعة التي حدثتنا عنها، طلبت منها موعدًا فحدَّدت لي، وذهبت مشوَّقة، وكأنني أطير إلى جزء من جنة الله على الأرض، طرقت الباب ففتحه لي طفلٌ أشعث، إفرازاتُ أنفه تغطِّي فمه وذقنه، وملابسه غير مهندمة، سألته عن صاحبة البيت فقال لي: أمي.. تفضلي يا خالتي.. إنها في انتظارك.
ابتلعتُ الصدمة أن يكون هذا الطفل ابن تلك السيدة الرائعة، وأرجَعْتُ الأمرَ إلى شقاوة الصغار وعدم بقائهم على حال واحد من النظافة وحسن الهندام، ودخلتُ حجرةَ الاستقبال فهالني مظهرُها، كان التراب يغطِّي المقاعد والمنضدة وأرفف المكتبة، وكان البساط كالحًا غيرَ نظيف، وقد تناثرت لعبٌ الصغار وقِطَعٌ من ملابسهم على المقاعد، بينما تراصَّت على أرض الغرفة أزواجٌ من الأحذية التي لا يظهر لها لونٌ من فرط قذارتها.
وجاءت لاستقبالي في جلباب أنيق تفوح منه رائحة عطر، وقد هذَّبَت شعرَها بشكلٍ جميلٍ، وكانت تحمل كوبًا من العصير على صينية تراكمت عليها الأوساخ.
طالت جلستُنا، وتشعَّب حديثُنا، ولكنني لم أستطع أن أستوعب ما رأيته، وغادرتُ بيتها وأنا أشعر أن ساقي تعجزان عن حملي، وفي الطريق حاولتُ أن ألتمسَ لها عذرًا فلم أجد، برَّرتُ حال بيتها بالانشغال بأمر الدعوة، ولكنني لم أستطع إقناع نفسي بأن الإسلام يمكن أن يتجزَّأ، وبأن الأقوال الجميلة يمكن أن تكون أفعالُ أصحابها غيرَ جميلة.
لم أجرؤ على أن أسألَها عن سرِّ إهمالها لبيتِها، وحبست صدمتي في صدري، وعجزتُ أيضًا عن مقاومة إحساسي بأن مصداقيتَها لديَّ قلَّت كثيرًا عن ذي قبل، لم أنقطع عن دروسها، ولكنَّ انبهاري بها خفَّ، وصِرْتُ آخذُ عنها ما تقول كأنني أقرأ كتابًا لا أعرف مؤلفه معرفةً شخصيةً.
وعندما تزوجتُ حاولت ألا أجعل مسئولياتي الدعوية تجور على صورة بيتي المسلم.. البيت الذي أراده الله قبلةً، وكلما شعرت بالعناء تذكَّرت تلك الداعية ودعوت الله لها، فقد أسْدَت إليَّ- دون أن تشعر- جميلاً رائعًا، وكان حالُها فيَّ أبلغَ من مقولاتها في العشرات اللاتي يحضرن درسها، وعلمتني كيف أتسق مع نفسي، وتطابق أفعالي كلامي.
كانت التجربة مريرة، خاصةً عندما كنت أتخيَّل أن التي زارتها بدلاً مني امرأة مُغرِضة، تتصيَّد الأخطاء للمسلمين، وتُلصقها بالإسلام، فقد صُنْتُ سرَّها- إن كان سرًّا- ولم أترك لظنوني العَنان، ولكني لم أجد إجابةً عن سؤالي الذي ظل معلَّقًا، لماذا تنفر بعض بيوتنا من الإسلام؟! وما الحكمة في أن يكون أصحاب هذه البيوت يؤمُّهم الناس، ويسترشدون بهم، ولا يدركون أنهم يستظلون بأشجار مسمومة الثمار!! وأنهم يكادون أن يسقطوا في الهُوَّة العميقة بين القول والفعل..!!
حالة صاحبتي نموذج متكرر، ولا أظن أن دعوةً يمكن أن تؤتي ثمارَها ما لم يكن أصحابُها إسلامًا يمشي على الأرض بين الناس، لا أقوالاً بليغةً تُصدرها الصدور للألسنة فحسب.