- سعيد حجاج: الحكومة لا تريد مسرحًا حقيقيًّا لتجهيل الجمهور

- عصام رمضان: التكلفة الباهظة جعلتنا نحضر فقط عروض الأصدقاء!

 

تحقيق- محمد أبو دهبية

للفنِّ دورٌ كبيرٌ في التنوير وترسيخ الهوية وتأكيد الاعتزاز القومي.. وقد عرف العرب منذ القدم معنى تذوق الفن، وكانوا يحبون الإبداع الراقي في شتى الفنون ويتذوقونه ويفهمونه، ويقدرونه.

 

والتذوق يتطلب ثقافةً وتربيةً فلا يمكن مخاطبة أميين بفنٍّ رفيعٍ؛ ولذلك كلما تحسنت طرق التربية والتعليم ووسائل الإعلام أيضًا انعكس ذلك على ذوق الجمهور.

 

وفي الوقت الحاضر وبينما تلهث ملايين الشباب العربي وراء ما تعرضه الفضائيات الهابطة نلمس حقيقة تؤكد غيابٍ واضحٍ لهذه الجماهير عن فنٍّ معين له نصيب كبير من الاحترام هو المسرح التاريخي الأصيل؛ مما يؤكد أن هناك تدهورًا في التذوق الفني لدى الناس.

 

والمسرحية فن من أقدم الفنون وأعرقها، فعمرها يرجع إلى خمسة وعشرين قرنًا مضت؛ حيث كان مولدها مكتملةَ البناء عند الإغريق ولعل أقدم مسرحية هي الضارعات "لإيسخيلوس"، وإن كانت هناك أعمال سبقتها عند قدماء المصريين وخلفيتها التاريخية تشير إلى أنَّ مولدها كان معبد أوزوريس، وأن أحداثها كانت تقوم حول مقتله وعودته إلى الحياة.

 

ويحتل المسرح التاريخي مكانةً مهمةً بين الفنون؛ وذلك لأن المسرحيةَ تصلح للعرض في أي زمان، والمسرح التسجيلي التاريخي يُقدِّم أعمالاً تستمد مادتها من التاريخ، معتمدةً على عنصر التوثيق ما أمكنها، مبتعدةً عن الصورةِ المتخيلة شعبيًّا للمعركة وشخوصها ومبتعدةً كذلك عن نسج الخيال الإبداعي، معتمدةً على كتبِ السيرة الصحيحة والحقيقية وكتب المقال وكتب التاريخ؛ حيث تروي أحداثها سيرة الشخصيات المتعلقة بالأحداث وتوثيق لأهم الأحداث الممهدة للمعركة والثورة على سبيل المثال، ومن العادة أن تكون اللغة العربية الفصحى هي وسيلتها للتعبير مع الاجتهاد في استخدام التقنيات الإخراجية الحديثة من مؤثرات صوتية وإضاءة.

 

إلى جانب ذلك فإنَّ التراثَ يُساهم في خلق الامتداداتِ الروحية والنفسية للعرض المسرحي؛ وذلك من خلال اشتغال المسرحيين العرب على الذاكرة الجمعية، بهدف زيادة فعالية المسرح.

 

فالتراث هو جزءٌ من تأصيل فن المسرح الذي له عندنا أصول في التراث، وأول مسرحية عربية كانت مستوحاة من ألف ليلة وليلة هي مسرحية هارون الرشيد لمارون النقاش، والمسرح في كل العالم اتجه نحو التراث، فالمسرح الإغريقي استخدم الإلياذة والقصص التي تنتمي للتراث السابق لنهضة المسرح هناك، وعصر النهضة الأوروبية استخدم أيضًا نفس هذه القصص التراثية وقصص التاريخ والأساطير.

 

فاستخدام التراث ضروري لتصوير المقومات الأساسية الثابتة للشخصية العربية وللتذكير بالأبعاد التاريخية للأمة العربية.

 

عزوف عام

المخرج عصام رمضان يرى أنَّ عزوف الجمهور عن المسرح ليس فقط عن المسرح التاريخي، ولكن عن المسرح بشكلٍ عام، ويقسم المسرح الجمهور إلى جمهور درجة ثالثة، وهو جمهور مسرح القطاع الخاص ويُطلق عليه جمهور الشباك ومَن يرتاد هذا المسرح يكون هدفه نسيان هموم الحياة كنوعٍ من المخدراتِ يعلمون أنها تغيب العقل فترةً فيبعد الإنسان عن مشاكله والهدف منها حالة من الانبساط والبعد عن مشاكل العمل وهموم المعيشة.

 

ثم جمهور الدرجة الثانية، وهو الجمهور النصف واعي والذي يهتم بالحركة المسرحية وبالثقافة؛ لأنه من أهل الفن المثقفين والمبدعين والفنانين يلجأ للمسرح لمشاهدةِ تجارب الآخرين، ويهتم بالحالة المسرحية، وهو الجمهور الوحيد الذي يواظب على العروض الفكرية والمسرحية التي تهتم بقضايانا ومشاكلنا كمفكرين ومثقفين.

 

ويوضح المخرج عصام رمضان أنَّ جمهور الدرجة الثانية هم واجهتنا، وهم ما نعاني من قلتهم في المسارح فعندما يكون في المسرح 1500 كرسي نجد الحاضرين لا يزيدون عن 50 مشاهدًا!

 

ثم جمهور الدرجة الأولى والذي يمتاز بالوعي الكامل ويحب رؤية الأداء الرائع والذوق الرفيع، والذي يعتبر 80 % من جمهور الأوبرا يمثلونهم، ويهتم بالعروض الموسيقية.

 

لكن المشكلة كما يقول المخرج عصام رمضان تتمثل في الوقتِ غير الكافي لحضورِ كل عروض السوق، وكذلك ارتفاع أسعار تذاكر المرح الخاص والذي يصل من 150 إلى 300 جنيه.

 

ويضيف قائلاً: في الحقيقة أسعار التذاكر غالية جدًّا؛ ولذلك فأنا على سبيل المثال إذا أردتُ مشاهدة مسرحية لا يمكن أن أحضر العرض إلا إذا كان أحد أصدقائي من المشتركين في العرض، ولا يمنع أن أشاهدها لو عُرضت على شاشة التليفزيون، ونحن كمسرحيين نتزاحم على أبواب المسارح في العروض والمهرجانات لنشاهد "مجانًا" الجديدَ في الفن المسرحي الغربي، فالغرب يقدم إبداعًا رفيع المستوى، وهذه الأسباب وراء عزوف الجمهور عن مسرح الدولة، والذي أصبح يقتصر فقط على المهتمين بالحركةِ المسرحية والمفكرين والمبدعين.

 

كسل الإدارة

أما المؤلف سعيد حجاج فيرى أن المسرح التاريخي كان موجودًا ونصوص كثيرة موجودة، والمشكلة في أنَّ هيئةَ مسرح الدولة غير متحمسة لهذا النوع من المسرح لتكلفته المرتفعة، ولأنه ليس له مردود على الجمهور يساوي إنتاجه، فالعزوف عن المسرح التاريخي ليس في الكتابة، ولكن في فكرةِ العرض على مسرح الدولة، وبشكلٍ عام لا توجد تربية مسرحية، ولا يوجد اهتمام في وزارة التربية والتعليم لتربية وتعليم الطلاب على المسرح باستثناء التليفزيون الذي يصدر مسرحيات القطاع الخاص بتقديم فكرة بسيطة عنه.

 

ويوضح سعيد حجاج أنَّ الناسَ أصبح لديهم فكرة فقط عن هذا المسرح الوحيد الذي يكون البطل فيه هو النجم الكوميدي، مشيرًا إلى أنها مفاهيم خاطئة لفكرة ارتياد المسرح من أجل الرقص والضحك، فالناس لا يعرفون أنواعًا أخرى من المسرح، فللأسف التليفزيون لا يصدر إلا قطعًا صغيرةً من المسرح لا تشبع أحدًا من الجمهور ولا تقدم الفكرَ الصحيح أو الكامل.

 

ويرى أن الدولةَ نفسها لا تريد مسرحًا حقيقيًّا يفتح الجراح ويحرض الجمهور على الفكر السليم؛ لأن الجمهور إذا فكَّر يتمرد على الوضع الراهن؛ لذلك فالحكومة المستبدة تريدها ساكنة، ويتم فقط عرض المسرح الاستهلاكي الذي لا يزحزح شيء عن مكانه، ولا يحرك ساكنًا ليبقى الوضع على ما هو عليه.