كتب: أشرف شعبان الفار
كثيرة تلك الآيات التى تهز المؤمن هزًا عنيفًا، وتؤرقه، وتقلقه، وتدفعه دفعًا لأن يراجع.. ويتأكد... ويستشير... ويستهدى...، وألا يركن إلى ما لديه، لا يركن إلى ما لديه من علم، أو فهم، أو مشاعر، أو آراء. وتلكم الآية الكريمة من سورة الكهف واحدة من أقواها. حيث يقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا () الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. حيث ضخامة الهوة بين الحقيقة التى يعلنها رب العالمين وتلك الأفكار القابعة فى نفوس البعض! ذلك التناقض الصارخ بين الضلال والإحسان! بين الفوز والخسران، بين ظن الواهم الجاهل المسئ وتقرير أحكم الحاكمين!
ولربما يظن ظان أن هذه الآيات لا تعنينا، كونها تتحدث عمن كفر بآيات الله، ونحن -بفضل الله ورحمته قد هدانا الله للإسلام، لكن الحقيقة التى تقررها الآيات مفزعة مرعبة، وهى فى هذا عامة شاملة، تعم الناس جميعًا، وتشمل الكافرين وغيرهم. أعنى تلك الحقيقة الصادمة، وهى آتية لا ريب فيها، حين يتفاجأ الإنسان بنقيض ما كان يتوهمه فى الدنيا. حين يجد نفسه وقد ضيع عمره كله فى ظنون وأوهام وخداعات وأفهام، كلها خاطئة مهلكة، حين يعلم حقيقة الأمر بعد فوات الأوان. وهذا الخداع الذاتى- إن صح التعبير- لا يكاد يسلم منه أحد، وليس من المسلم ببعيد.
وربما تقربنا حقيقة أن هذه الآيات يتعبد المسلمون بتلاوتها، ويسن لنا قراءتها كل جمعة، لتصحح لنا المسارات، وتضئ لنا الطريق، فهى من رسائل القرآن الكريم لنا، ومن عطاءاته التى لا تنفد. هذه الحقيقة تقربنا وتأخذنا إلى مربع الإفادة من الآيات، وتغلق أمام الشيطان باب كبير خطير، صرفنا به الشيطان عن كثير من الهدايات، هذا الباب الذى يجيده الشيطان، فيغلق قلوبنا وعقولنا وأعيننا عن كثير من حقائق القرآن العظيم! فمرة يأتينا الشيطان بحجة أن المخاطبين فى الآية والآيات فئة عليا من المؤمنين، ونحن لم نبلغ مكانتهم، ومرة بأن المخاطبين هم الكفار، ونحن مؤمنون، ومرة بغيرها وغيرها. والحق أن القرآن كله، بكل آية فيه، وكل جملة من جمله الكريمة يتضمن من الهدايات للناس جميعًا ما يعصمهم وينفعهم فى الآخرة والأولى. ولهذا وغيره كان واجبًا على المؤمنين تلاوته وتدبره والعمل بما فيه.
إن هذه الآيات التى نتحدث عنها تبين أن كثيرًا مما يظن الإنسان صوابه وصلاحيته ونفعه ورشاده قد يكون على النقيض تمامًا. وتبين أن الإنسان لا يصلح مصدرًا للقيم، ولا حكمًا على الأفعال والتصرفات، ولا يجوز له أن يبيح ويحرم ويفرض ويحسن من تلقاء نفسه، فهو ليس أهلا لذلك. ولا ينفعه أن يضم إلى نفسه القاصرة الجاهلة غير المؤهلة لمثل هذه المهمة أعدادا من الناس، كلهم مثله ليسوا مؤهلين، فإضافة الأصفار الكثيرة إلى الصفر الأول لا تزيد من قيمته.
تلك الحقيقة تستدعى وتوجب على كل فرد منا أن يتواضع، أن يعرف مكانه فى هذا الوجود، ألا يدعى لنفسه ما لا يملك، وما لا يستطيع إليه سبيلًا، إن تقرير القيم والفضائل، والحكم على صوابية الأفعال والأقوال لا تكون إلا بوحى من خالق الأرض والسماء، لا تكون إلا بنص جاءنا فى كتاب ربنا أو سنة نبينا- صلى الله عليه وسلم. وعمل العقول والأفهام إنما يأتى فى أنوار الوحى الشريف، وهدايته، برعاية حقائقه، وإعمال قواعده. والاسترشاد به كله، والتأدب بأدب المؤمنين، والتزام حدودهم.
أما أن يزعم الإنسان أنه من المؤمنين، ثم هو ينطلق فى هذه الحياة فيصنع لنفسه منهجًا، ويختار قيمًا وقواعد يبنى عليها منهجه ذلك، ويتمادى فى غيه، فيملأ أعماقه بيقين عجيب مريب أنه على الحق! بل ويرمى من يخالفه بباطل التهم، وسخيف الأحكام! كل ذلك من غير بينة، ولا هدى، ولا كتاب منير! إنه إن فعل ذلك فقد أورد نفسه المهالك، ولا ريب.
إن المؤمن يسير فى حياته على خوف من الله، يتورع عن كل شبهة، ويجاهد نفسه مع كل شهوة، لا يتجرأ على شرع الله، ولا يتطاول على حقوق الله. يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. ومن كان هذا حاله، فهو أبعد الناس أن يظن فى قوله وفعله الصواب، إنه يعرض نفسه وكل ما عنده على الكتاب والسنة، إنه يطلب النصح من كل من يظن فيه خير المؤمنين وأمانة الناصحين. إنه يعلم ضعفه وتقصيره، ويعلم غلبة ذلك على أحواله كلها، فيحفظه ذلك التواضع، وتلك الخشية من أن يقع فى هذا المعضل الكبير.
إن الكبر المترسخ فى النفس، ووسوسة الشياطين- شياطين الإنس والجن- ثم جهل المرء بنقصه وجهله- كل ذلك يدفع المرء دفعًا إلى هذه الجريمة القبيحة، جريمة أن يظن أنه يحسن صنعًا، ويرى نفسه على خير، ويرى المخالفين له على ضلال، ولقد تكرر فى القرآن العظيم أقوال لأعداء الأنبياء والرسل تعبر عن هذا المعنى بوضوح وجلاء.
لذا فالمؤمن العاقل الحصيف يعلم يقينا أن مثل هذه الأخلاق، وتلك الفكر والتصورات ليست من المؤمنين فى شئ، وعليه، فهو ينطلق فى حياته متهمًا نفسه فى كل خطوة ورأى، فى كل عمل وقول، يطلب الهداية من الله، ويجتهد بحثًا عن الحق فى مظانه، ويبرأ إلى الله من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ويبرأ من علمه وفهمه أن يختلط بهواه وشهوته، ويتهم إخلاصه وتجرده، ويطلب المغفرة من الله، وستر العيوب، وجبر التقصير.