يقولون: مرَّ وهذا الأثرْ
نحن لا نرتب أماكن الأشخاص في قلوبنا، فأفعالهم وممارساتهم وسجاياهم هي التي تتولى ذلك، وكذلك فإن أفعالنا وتصرفاتنا هي المسئولة عن ترتيب أماكن لنا في قلوب الآخرين.
ولذلك يجب أن يكون لك أثر طيب بكل مكان تمر فيه، وذكرى طيبة فى قلوب من تعاملوا معك وبقايا من الود والخير عالقة بأذهان من عايشوك.
إنَّ الأثر الطيب له تأثيره البالغ على الفرد والمجتمع، فيتخذ المرء منه قدوة حسنة له، ويسلك الطريق الذي سلكه صاحبه فيزرع في نفسه صفات الإنسان المحترم
ويزرع في المجتمع حب الخير والأثرة والصفاء والعطاء والتماسك والتآزر والتكافل وجميل الصفات والأعمال والأقوال.
ومع واحدة من روائع أمير الشعراء الأستاذ أحمد شوقي – رحمه الله
فلا تَحتَقِرْ عالَمًا أَنتَ فيه .. ولا تجْحَدِ الآخَرَ المُنْتَظَر
وخذْ لكَ زادينِ: من سيرة .. ومن عملٍ صالحٍ يدخرَ
وكن في الطريقِ عفيفَ الخُطا .. شريفَ السَّماعِ، كريمَ النظر
ولا تخْلُ من عملٍ فوقَه .. تَعشْ غيرَ عَبْدٍ، ولا مُحتَقَر
وكن رجلًا إن أتوا بعده .. يقولون: مرَّ وهذا الأثرْ
إن الأثر الطيب الذي يتركه المرء بعد وفاته هو عمْرٌ آخر، فبه يُذكر، فيثنى عليه، فيكون سببًا لعفو الله تعالى عنه، ويدعى له بسببه فيقبل الله تعالى دعوة الداعين ويكرمه بحسن المآب، ويعمل الناس بعلمه أو ما تركه من خير لوجه الله فيجري له ثواب العاملين، كأنه لم يزل يعيش ويعمل.
إن إرضاء الناس غاية لا تدرك، ولكن ما يمكن أن تدركه بأعمالك وأفعالك وسجاياك ومعاملاتك مع الآخرين. هو أن تترك فيهم أثرًا طيبًا، يبقى من بعدك، ويكون لك إرثًا ممتدًا عبر الأزمان وعبر القلوب وعبر الحياة.
كن في الدنيا كعابر سبيل .. واترك وراءك كل اثر جميل
فما نحن في الدنيا إلا ضيوف .. وما على الضيوف إلا الرحيل
واترك في كل طريق تمر به كلمة طيبة، وابتسامة حانية، ويد بالخير عاطية.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
قال ابن جرير: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ في الدنيا من خير وشر، وصالح الأعمال وسيئها.
وفي قوله ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قولان مشهوران لأهل العلم وكلاهما صحيح ولا تعارض بينهما بل لكل منهما شواهد من القرآن والسنة.
وقال ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) يعني : ما أثروا . يقول : ما سنوا من سنة ، فعمل بها قوم من بعد موتهم ، فإن كان خيرا فله مثل أجورهم ، لا ينقص من أجر من عمله شيئا ، وإن كانت شرا فعليه
التفسير الأول: قال الحسن وقتادة: (وَآثَارَهُمْ) يعني: خطاهم؛ فعن جابرِ بنِ عبدِاللهِ قال: خلتِ البقاعُ حول المسجدِ، فأراد بنو سلمةَ أن ينتقلوا إلى قربِ المسجدِ، فبلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. فقال لهم: «إنَّهُ بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قربَ المسجدِ؟ ” قالوا: نعم. يا رسولَ اللهِ! قد أردنا ذلك. فقال: ” يا بني سلمةَ! ديارَكم. تُكتبُ آثارُكم. ديارَكم. تُكتبُ آثارُكم» رواه مسلم.
ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله سبحانه في المجاهدين ﴿وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 121].
فخطواتك إن كانت في خير كتبت لك أجرا وإن كانت في معصية كتبت عليك وزرا!
قال قتادة: «لو كان الله تعالى مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل».
والتفسير الثاني: آثار الخير وآثار الشر فيموت الإنسان ويبقى أثر عمله الذي عمله في حياته، وما سنّه في حياته وصار فيه قدوة. قال السعدي: «﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرًا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر».
ويقول صاحب الظلال رحمة الله عليه – " وكل ما خلفته أعمالهم من آثار , كلها تكتب وتحصى , فلا يذر منها شيء ولا ينسى . والله سبحانه هو الذي يحيي الموتى , وهو الذي يكتب ما قدموا وآثارهم , وهو الذي يحصي كل شيء ويثبته . فلا بد إذن من وقوع هذا كله على الوجه الذي يليق بكل ما تتولاه يد الله .