الحكومة التي تقيم أمر الله
اذا كان الله جل شأنه قد أوجب علينا أن نتحاكم إلى ما أنزل على رسوله, وأن نحكم به , فقد وجب على المسلمين أن ينصبوا عليهم حكومة تقيم فيهم أمر الله وترعاه , ويتعبد أفرادها باقامة الحكم طبقا لما أنزل الله كما يتعبدون بالصوم والصلاة .
و الأصل في الحكومات أنها ضرورة اجتماعية لا مفر منها فإذا كان الحكم يتميز بصفات معينة؛ فقد وجب أن تتصف الحكومة القائمة عليه بنفس هذه الصفات ضمانا لنجاح الحكم فما يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه , وما يحسن القيام على الفكرة إلا مؤمن بها .
وعلى هذا فإذا وجب أن يقوم الحكم طبقا لشريعة الإسلام فقد وجب أن تكون الحكومة إسلامية, يؤمن أفرادها جميعا بالمبادئ التي يقوم عليها الحكم و يحرصون على العمل بها .
وإذا وجب أن يكون الحكم اشتراكيا فمن البلاهة أن يترك الحكم لمن لا يؤمنون بالاشتراكية .
وإذا وجب أن يكون الحكم ديموقراطيا فلن يصلح له حكام يؤمنون بالديكتاتورية .
ذلك هو منطق الناس , وتلك طبائع الأشياء , فمن أراد أن يقيم الإسلام بحكومة تتحاكم إلى غير شريعة الإسلام فإنما يعمل على تحطيم الإسلام ..
منطق التجارب :
ولقد أثبتت التجارب في البلاد الاسلامية أنه لا يكفي لإقامة الإسلام أن يكون الحكام مسلمين , وإنما يجب أن يتحاكموا إلى الإسلام , ويتخذوا القرآن دستورا للحاكمين والمحكومين , وأمامنا البلاد الاسلامية كلها ليس فيها بلد واحد يقيم حكم الإسلام و يخضع له في كل الشئون بالرغم من أن حكامها وأغلب سكانها من المسلمين . بل لقد أثبتت التجارب أن الحكام المسلمين الذين يجهلون الإسلام و لا يعلمون على إقامة أحكامه كانوا و مازالوا حربا على الإسلام و آلة طيعة في يد أعداء الله الذين يكيدون للمسلمين و الإسلام , و في عهود هؤلاء الحكام الجهال استبيحت حرمات الإسلام فحرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله , وانتشر الفساد في المجتمع الاسلامي، وشاعت الفاحشة, وانحسر مد الإسلام، وذهبت ريحه , وسيطر على بلاده وأهله من لم يكن يطمع فيهم بالأمس بل لا يستطيع أن يدفع عن نفسه .
هذا هو منطق البشر ومنطق الواقع ومنطق التجارب كل ذلك يقضي بأن قيام الحكم الاسلامي يستوجب أن تؤلف الحكومات ممن يؤمن بالنظام الاسلامي و ممن لا هم له إلا اقامة الاسلام و تثبيت دعائمه , وسنرى فيما يأتي أن هذا هو منطق القرآن نفسه .
وظيفة الحكومة اقامة أمر الله
ولقد جعل الإسلام وظيفة الحكومة الاسلامية إقامة الاسلام حيث افترض القرآن في الحكومة الاسلامية أن تقضي على الشرك وتمكن للإسلام , وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة , وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر , وأن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله , وذلك قوله تعالى : "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليتسخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" النور:55. وقوله :"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " الحج:41 .
والأمر بالمعروف هو الترغيب في كل ما ينبغي قوله أو فعله طبقا للإسلام والنهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه أو تغييره طبقا لما رسمه الاسلام , فاذا قامت الحكومة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أقامت كل ما أمر به الإسلام وهدمت كل ما يخالف الإسلام .
ولقد أوجب علينا القرآن أن نطيع الحكام والحكومات، ولكنه أوجب على الحاكمين والمحكومين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى حكم الله , وأن يحكموا فيه بما أنزل الله " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"النساء :59. ورد المتنازع فيه إلى حكم الله يقتضي أن تكون الحكومة والحكام قائمين على أمر الله حاكمين بما أنزل الله على رسوله .وإعطاء المحكومين حق منازعة الحكام ورد المتنازع فيه إلى أمر الله يقتضي أن يكون الحكام مقيدين بأمر الله لا يسمح لهم بالانحراف عما أنزل الله .
واذا كانت الحكومات تقوم على طاعة المحكومين وكان من مبادئ الإسلام أن يطيع المحكومين أولي الأمر فيهم والقائمين على شئونهم من الحكام , فإن مبادئ الإسلام أيضا أن يخلع المحكومون طاعة الحاكمين إذا ما خرج الحاكمون على طاعة الله وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه و سلم :"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
وبذلك ربط الإسلام طاعة المحكومين للحاكمين بطاعة الحاكمين لأمر الله , فالحكومة الاسلامية يجب أن تقوم على أمر الله و ليس لها بأية حال أن تنحرف عما أنزل الله وإلا فقدت حقها في الطاعة و بالتالي حقها في الحكم .
وإذا كان حق الحكومة في الطاعة وفي الحكم ثابتا كلما كانت نازلة على أمر الله , فيتعين أن تكون وظيفتها هي القيام على أمر الله والعمل بكتابه .
ميزات الحكومة الإسلامية
تختلف الحكومة الاسلامية عن كل حكومة موجودة في العالم الآن , وعن كل حكومة وجدت من قبل؛ فهي حكومة فريدة في نوعها متميزة عن كل حكومة غيرها .
وتتصف الحكومة الاسلامية بثلاث صفات لا توجد في غيرها من الحكومات فهي أولا: حكومة قرآنية , وهي ثانيا: حكومة شورى , وهي ثالثا: حكومة خلافة أو إمامة.
الصفة الأولى: حكومة قرآنية :
تتميز الحكومة الاسلامية بأنها حكومة قرآنية أي أنها خاضعة للقرآن، وهو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم .
والقرآن هو دستور الحكومة الاسلامية الأعلى , يحكم تصرفاتها ويحدد حقوقها وواجباتها بصفى عامة , ويرسم لها الخطوط و المناهج العامة التي لا يصح لها تتعداها , ويدع لها ما دون ذلك من الماهج والتفصيلات .
كما أن القرآن في الوقت نفسه يبين حقوق الأفراد وواجباتهم , ويحدد علاقتهم بالحكومة ومدى سلطانها عليهم و مدى خضوعها لسلطانهم .
و يتميز القرآن بميزات متعددة تخالف بينه وبين أي دستور آخر عرفه البشر , ويهمنا من هذه الميزات ما يأتي :
1- أنه كلام الله أوحى به إلى نبيه محمد النبي الأمي ليبلغه للناس نورا يخرجهم من الظلمات وهدى يعصمهم من الضلال: "و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم .صراط الله الذي له ما في السموات والأرض ألا إلى الله تصير الأمور " الشورى :51-53. "وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا " الشورى:7 "وأوحينا إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " الأنعام:19.
2- أن المسلمين مكلفون باتباع ما جاء به القرآن وبالاستمساك به , وليس لهم أن يخرجوا عليه بأية حال "واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين " يونس:109."واتبع ما يوحى اليك من ربك أن الله كان بما تعملون خبيرا : الأحزاب:2. " فاستمسك بالذي أوحى اليك أنك على صراط مستقيم"الزخرف :43. " اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " الاعراف:3. "اتبع ما أوحى اليك من ربك لا اله الا هو وأعرض عن المشركين " الأنعام : 106.
3- أن القرآن لا يقبل التبديل ولا التعديل لأنه من عند الله ولا مبدل لكلمات الله " وقال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ " يونس :15" واتل ما أوحي اليك من كتاب ربك لا مبدل لكماته ولن تجد من دونه ملتحدا " الكهف :27. " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " الأنعام :115. " لا تبديل لكلمات الله " يونس:64.
4- ان القرآن لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقص لإنه كمل وتم بوفاة الرسول صلى الله عليه و سلم وانقطاع الوحي, أو تم و كمل قبيل وفاته يوم أنزل الله عليه قوله"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " المائدة:3 .
5- أن القرآن لا يقبل النسخ , لما سبق , ولأن الله جل شأنه ختم برسالة محمد صلى الله عليه و سلم الرسالات , وجعله خاتم النبيين " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين : الأحزاب:40, ولأن البشر وهو مستخلفون في الأرض ليس لهم أن يخرجوا على أوامر الله الذي استخلفهم , وليس في استطاعتهم أن ينسخوا كلامه أو يبطل العمل به , فإن فعلوا فعملهم باطل بطلانا مطلقا لخروجهم على حدود وظيفتهم وتعرضهم لما ليس من شأنهم .
ونستطيع أن ندلل على عدم قابلية القرآن للنسخ من وجه آخر , وهو القاعدة الأساسية في الشريعة الاسلامية وفي القوانين الوضعية هي أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها , أي نصوص صادرة من الشارع نفسه أو من هيئة لها من سلطان التشريع- على الأقل- مثل ما للهيئة التي أصدرت النصوص المراد نسخها , فالنصوص الناسخة للقرآن يجب أن تكون قرآنا من عند الله , وليس بعد الرسول قرآن حيث انقطع الوحي, ولا يمكن أن يقال أن ما يصدر من هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن أو أن لها من سلطان التشريع ما لله و للرسول , وعلى هذا فليس في طوق البشر أن ينسخوا كلام الله أو يعطلوا العمل به .
الصفة الثانية: حكومة شورى
جعل الله الشورى من لوازم الإيمان؛ حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين المميزة لهن عن غيرهم " والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" الشورى:38 , فلا يكمل إيمان المسلمين إلا بوجود صفة الشورى فيهم , ولا يجوز لجماعة مسلمة أن تقوم أو ترضى إقامة أمرها على غير الشورى وإلا كانت آثمة مضيعة لأمر الله .
وأمر الله رسوله أن يشاورهم في الأمر " و شاورهم في الأمر" آل عمران:160. وما أمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم بمشاورتهم لحاجة منه إلى رأيهم . وإنما فريضة عليهم , ففرض على الحاكم أن يستشير في كل ما يمس الجماعة وفرض على الجماعة أن تبدي رأيها في كل أمورها , فليس للحاكم أن يستبد برأيه في الشئون العامة , وليس للجماعة أن تسكت فيما يمس مصالح الجماعة , وهذا يتفق مع ما يفرضه القرآن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر " و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" آل عمران :104.
واذا كانت الشورى فريضة من الفرائض الإسلامية فإنها ليست مطلقة بحيث تمتد إلى كل أمر , وإنما تجب فقط فيما لم يقطع فيه القرآن والسنة برأي , أما ما قطع فيه القرآن والسنة برأي فهو خارج عن نطاق الشورى إلا أن تكون الشورى في حدود التنفيذ والتنظيم لما نص عليه القرآن و بينه السنة.
والشورى ليست مطلقة من كل قيد فيما تجب فيه , وانما هي مقيدة بأن لا تخرج عن حدود ما جاء به القرآن والسنة؛ فلا يجوز بأية حال أن تؤدي الشورى إلى مخالفة نصوص التشريع الاسلامي أو إلى الخروج على روح التشريع , و يجب دائما أن تجيء الشورى مطابقة للتشريع الاسلامي وتابعة لاتجاهاته وروحه.
والتقيد بالتشريع الاسلامي وباتجاهته وروحه يقتضي أن يكون الحكام وأهل الشورى , أو أكثرهم , ممن يلمون بالتشريع الاسلامي و يفهمون روحه واتجاهاته , ومعنى هذا أن تنحصر الشورى فيمن تتوفر فيهم صفات معينة .
الصفة الثالثة: حكومة خلافة أو إمامة :
رأ ينا في باب الاستخلاف أن الله استخلف البشر في الأرض وأن الاستخلاف على ثلاثلة أنواع : استخلاف عام , واستخلاف دول , واستخلاف أفراد, وقلنا أن استخلاف الأفراد هو الاستخلاف في الرئاسة , وأن المستخلف قد يسمى خليفة كما سمي داوود عليه السلام " يا داوود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق"ص:26, وقد يسمى المستخلف اماما كما سمي ابراهيم عليه السلام و بعض رؤساء بني إسرائيل " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " البقرة:124, " و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا " الأنبياء:73, وقد يسمى المستخلف ملكا " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا" المائدة:20, " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا" البقرة:247.
والخلافة و الإمامة والملك لا يقصد منها في نصوص القرآن إلا الرئاسة بمعناها العام , ولا يقصد منها الدلالة على نظام معين من أنظمة الحكم , ذلك أن داوود سمي في القرآن خليفة وسمي ملكا " يا داود إنا جعلناك خليفة"ص:26. " و قتل داود جالوت وآتاه الله الملك" البقرة:251, كما أن إبراهيم سمي في موضع اماما ووعد أن يكون المهتدون من ذريته أئمة " قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " بينما وصف ذريته في موضع آخر بوصف الملوك "فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما" النساء:54. ووعد بنو اسرائيل أن يكونوا أئمة بعد استضعافهم واستبعاد فرعون لهم " و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين" القصص:5.فلما تخلصوا من ظلم فرعون و كونوا لأنفسهم دولة مستقلة أخذ موسى يذكرهم بنعمة الله عليهم و يقول لهم " اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكا " المائدة:20, فالخلافة والملك الإمامة مترادفات تدل على الرئاسة العليا للدولة ولا تدل على أكثر من ذلك .
ونظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين : إحداهما : طاعة أمر الله واجتناب نواهيه , والثانية : الشورى أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم . فإذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص , وليسمى بعد ذلك بالخلافة أو الإمامة أو الملك فكل هذه التسميات تسميات صحيحة لا غبار عليها .
أما إذا قام الحكم على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا ينتسب للإسلام بنسب ولا يتصل به بسبب ولو سمي خلافة أو إمامة ،و لقد استقر أمر العالم كله قبل أن يجيء الاسلام على أن يكون نظام الحكم الملكي وراثيا يتوارثه الأبناء عن الآباء , وأصبحت لهذا النظام سمات وعلامات تميزه عن غيره من أنظمة الحكم , فهو يتميز فضلا عن الوراثة بتعالي الملوك واستعلائهم المستمر على الرعايا , ويتميز بما يحيك الملوك أنفسهم به من الترف الذي يهيء لسقوط الهمم وفساد الأخلاق وتفشي المنكرات , ويتميز أخيرا بأنه يؤدي بطيعته إلى الفساد العام .
ولما كان هدف الإسلام هو الاصلاح والتسوية بين الناس وتوفير الخير وإشاعته بينهم فقد كره لهم التعالي , حرم عليهم أن يريدوا الاستعلاء , كما حرم عليهم كل ما يؤدي إلى الفسد , و نبه المسلمين إلى أن هذه الصفات ليست من صفات المتقين المؤمنين في شيء " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين"القصص:83.
و لقد جاء الإسلام بالشورى ففرضها على المسلمين وألزمهم أن يجعلوا كل أمورهم شورى بينهم " وأمرهم شورى بينهم" الشورى:38. والشورى تقتضي أن تختار الأمة رئيس الدولة وأن تعزله إذا وجد منه ما يستلزم عزله , وهذا وحده يتنافى مع ما استقر عليه نظام الحكم الملكي من توارث الحكم .
ولأن نظام الحكم الملكي كان عندما جاء الإسلام متميزا بالوراثة وبالعلو في الأرض والإفساد فقد كره المسلمون أن يسموا أنفسهم ملوكا , وكان أول من كره ذلك هو الرسول صلى الله عليه و سلم , فقد روى عنه أنه قال لرجل وقف بين يديه فأخذته رعدة " هون عليك فما أنا بملك ولا جبار " وجرى على ذلك خلفاؤه من بعده , حتى إذا أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد أخذ أصحاب الرسول والتابعون يرمون معاوية خاصة وبني أمية عامة بأنهم حولوا الحكم الاسلامي إلى ملك عضوض وإلى حكومة كسروية , أو هرقلية نسبة إلى كسرى ملك الفرس وهرقل ملك الروم .
وإذا كان التباين بين الحكم الاسلامي في طبيعته و نظام الحكم الملكي في أوضاعه المستقرة قد اقتضى المسلمين أن يكرهوا تسمية أنفسهم بالملوك وتسمية نظام الحكم بالملك , فقد اقتضاهم أيضا أن يبحثوا في تسميات أخرى , فأسعفتهم النصوص القرآنية الواردة في استخلاف الحكم بما يريدون , فسموا نظام الحكم بالخلافة أو الإمامة , وسموا رئيس الدولة بالخليفة أو الإمام.
وقد جرت العادة على أن تسمى إمامة الحكم بالإمامة العظمى تمييزا لها عما عداها من الامامات كإمامة الصلاة , وتبعا لذلك يسمى رئيس الدولة بالإمام الأعظم أي الإمام الذي ليس فوقه إمام.
ويري البعض أن لفظ الخلافة اختير لنظام الحكم الاسلامي وأن رئيس الدولة سمي بالخليفة؛ لأن من جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم خلف النبي في رئاسة الدولة فسمي خليفته وسمي منصبه بالخلافة بدليل أن المسلمين كانوا ينادون أبا بكر بخليفة رسول الله , وهذا في الحقيقة ليس شيئا ولكنهم راعوا في التسمية نصوص القرآن , وسموا رئيس الدولة خليفة وإماما متأثرين بالنصوص , ولقد كان أبو بكر رئيس دولة فاعتبر بنص القرآن خليفة وإماما , وكان في الوقت نفسه خليفة لرسول الله لأنه خلفه في الحكم .
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجمع في رئاسته للدولة بين النبوة وخلافة الحكم؛ فهو نبي باعتبار ما يوحى إليه وخليفة باعتباره رئيس الدولة فإذا خلفه أحد في الحكم فهو خليفته باعتباره خلفا له, وهو خليفة باعتباره مستخلفا من الله في الحكم .
والأصل أن البشر كلهم مستخلفون في الأرض استخلافا عاما , فهم نواب عن الله عز وجل في الأرض وعليهم أن يقوموا على أمره و نهيه , ولكنهم لا يستطيعون أن يقموا أمر الله على ما ينبغي إذا كانوا أفرادا لا تربطهم رابطة , ولا يجمعهم سلطان يخضع له قويهم ويفيء إليه ضعيفهم , كما أن طبيعة الاجتماع والضرورات الاجتماعية تقتضي أن يقيموا حكومة تفصل بينهم في مشاكلهم و تنوب عنهم جميعا في القيام بأمر الله وبما يرتبه عليهم واجب الاستخلاف في الأرض وواجب الاستخلاف في الحكم .
واذا كانت الحكومة نائبة عن الجماعة لتقيم فيهم أمر الله , ولتشرف على مصالح الجماعة , وكان الخليفة أو الامام هو ممثل الحكومة الأول , فإنه يعتبر نائبا عن الجماعة كلها في وظيفة الخلافة التي جعلت لاقامة ما يجب على الجماعة كلها من أداء حق الله وإنفاذ أمره , و للفصل في خصومات الأفراد , وكف قويهم عن ضعيفهم ونشر العدالة والمساواة بينهم , وأخذهم بالتعاون والتضامن وتوجيههم إلى الخير والبر، كل ذلك في حدود ما أمر الله و اجتناب ما نهى عنه .
ولا يعتبر الخليفة نائبا عن الله جل شأنه إلا بقدر ما يعتبر أي فرد آخر على وجه الأرض . وإذا قيل إن الخليفة بنيابته عن الجماعة التي تنوب عن الله يعتبر النائب عن الله فإنه يرد على ذلك بأن نيابة الخليفة عن الله يعتبر النائب عن الله فإنه يرد على ذلك بأن نيابة الخليفة عن الله في هذا الوجه هي نيابة غير مباشرة ولم ينظر إليها في اقامة الخليفة , وما أقامت الجماعة ألا يكون نائبا عنها , وما استمد ولا يستمد سلطانه إلا من نيابته عن الجماعة التي أقامته والتي تملك حق مراقبته ومنعه من الخروج على حدود نيابته , بل للجماعة أن تقيد تصرفاته , وأن ترسم له الطريق التي يسلكها في تأدية واجب النيابة عنها , وقواعد النيابة تقضي بذلك كما أن الإسلام يفرضه على الناس حيث أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمنع الحكام من الظلم والتعسف في استعمال حقوقهم , ولمنعهم من الإهمال في أداء واجباتهم , ولمراقبة الحكام والمحكومين في إقامة أمر الله وإنفاذه على وجهه "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"آل عمران:104.
وولاية الخلافة لا تتم إلا باختيار الجماعة للخليفة , ليس ذلك لأنه منطق الضرورات الاجتماعية الذي سبق بيانه , ولكن لأن القرار فرض على المسلمين أن يكون أمرهم شورى بينهم " وأمرهم شورى بينهم " الشورى:38.
فلا يصح أن يستأثر بأمر المسلمين أحد بغير رضاء جماعتهم , ولا تعتبر ولاية الخليفة قائمة إلا باختيار ممن لهم حق اختيار الخليفة , وبالقبول من جانب الشخص الذي وقع عليه الاختيار .
واختيار الخليفة على هذا الوجه يؤكد أن الخلافة ليست إلا عقد نيابة يتم بين الجماعة والخليفة , فتكل الجماعة إلى الخليفة أن يقوم فيها بأمر الله , وأن يدير شئونها في حدود ما أنزل الله , ويقبل الخليفة أن يقوم بالأمر في الجماعة طبقا لما أمر به الله .
وولاية الخلافة ليست محدودة بمدة معينة , فما دام الخليفة قائما بأمر الله وعلى قيد الحياة فهو خليفة . فإذا خرج على أمر الله , أو قامت فيه صفة تستوجب العزل كان للجماعة عزله و تولية غيره, وإذا مات انتهت ولايته بموته .
نوع الحكومة الاسلامية
قلنا فيما سبق أن الحكومة الاسلامية فريدة في نوعها , متميزة عن غيرها , وإنها تختلف عن كل حكومة موجودة في العالم الآن , وعن كل حكومة وجدت من قبل .. وسنبين فيما يلي أن الحكومة الاسلامية لا يمكن إدخالها تحت أي نوع من أنواع الحكومات التي عرفها العالم , وأنها حكومة لا مثيل لها .
فالحكومة الاسلامية كما عرفنا مقيدة باتخاذ القرآن دستورا لها , وملزمة بالنزول على أحكامه التي لا تقبل تبديلا ولا تعديلا ولا تعطيلا؛ فهي بذلك ليست من نوع الحكومات المستبدة المطلقة من كل قيد , كما أنها ليست من نوع الحكومات القانونية , لأن الحكومات القانونية تخضع لقوانين وأنظمة يضعها البشر وهم متأثرون بأهوائهم و شهواتهم , والقوانين والأنظمة التي يضعها البشر قابلة للتبديل والتعديل والإلغاء إذا ما قضت بذلك أهواء البشر و شهواتهم . أما أحكام القرآن فهي من عند الله , وهي دائمة إلى الأبد لا تماشي أهواء الحكام ولا أهواء المحكومين , وإنما تعدل الفريقين وتوفي كلا حقه في حدود العدل الخالص مع حفظ مصلحة الجماعة .
ولتكون الموازنة كاملة ينبغي أن تعلم أن نصوص القرآن جاءت بالأحكام الكلية , ورسمت المناهج العامة للحكم والإدارة , وتركت ما دون ذلك لأولي الأمر ينظمونه بقوانين يضعونها ولكن هذه القوانين , وهي من وضع البشر يجب أن يراعى فيها ألا تخرج على الإسلام العامة , وأن تكون تطبيقا دقيقا لروح الشريعة الاسلامية , فهذه القوانين التي يضعها أولو الأمر ليست في الحقيقة إلا صدى القرآن و ظله , وهناك فرق كبير بينهما وبين القوانين التي يضعها البشر غير مقيدين إلا بأرائهم وأهوائهم ومصالحهم .
واذا كان من أخص صفات الحكومة الإسلامية أنها حكومة شورى فإنها لا تشبه في شيء الحكومات النيابية , كما أنها تخالف في طبيعتها الحكومات غيرالنيابية , وإذا كان أساس الحكومات النيابية في العالم هو الشورى إلا أن الشورى في الحكومات الاسلامية لا تشبه في شكلها , ولا نوعها , ولا الغرض منها , تلك الشورى التي تقوم عليها الحكومات النيابية .
وإذا كان من وظيفة الحكومة الاسلامية أن تقيم الدين فإنها لا تعتبر من نوع الحكومات الدينية التي يسميها الفقه الدستوري حكومات ثيوقراطية , إذ إن الحكومة الإسلامية لا تستمد سلطانها من الله وإنما تستمده من الجماعة . وهي لا تصل للحكم و لا تنزل عنه إلا برأي الجماعة , وهي مقيدة في كل أعمالها وتصرفاتها برأي الجماعة . والتزام الحكومة حدود الدين الإسلامي لا يغير من هذه النتيجة شيئا ما , لأن الدين الاسلامي يدعو الناس أن يعملوا لدنياهم قبل أن يدعوهم ليعملوا لأخراهم , بل إنه من يرتب الحياة الأخرى على ما يعمله المرء في حياته الدنيا فهو دنيا قبل أن يكون دينا , وهو أولى قبل أن يكون آخرة , وإذا كان الإسلام قد حد للناس حدودا لا يتعدونها , ووضع لهم أحكاما ألزمهم اتباعها فانه لم يسلبهم حريتهم في العمل , ولم يملك عليهم كل أمرهم , بل ترك لهم أن يفكروا في أنفسهم وأن يدبروا حياتهم و أن يعملوا بوسائلهم , وترك لهم أن ينظموا أنفسهم وأن يرعوا مصالحهم الخاصة والعامة , وأن يعدوا لمستقبلهم ما يشاءون من الخطط التي تؤدي إلى رقيهم وإسعادهم وتفوقهم .
ونستطيع أن نقول في غير تجوز إن الاسلام ترك للبشر الحرية كاملة فيما يأخذون وما يدعون , ولم يقيدهم إلا بأن تكون حياتهم قائمة على الفضائل حتى يحيوا حياة فاضلة تسودها العدالة والمساواة والحب والتضامن وغير ذلك من المبادئ الإنسانية العليا التي جاء بها الإسلام والتي يدعي العالم كله أنه يعمل لتحقيقها وما يستطيع أن يحققها بعد أن انسلخ عن الدين واتبع الأهواء و الشهوات , تلك المبادئ التي نسميها إنسانية وماعرفها أهل الأرض إلا عن طريق السماء ورسالات الأنبياء .
ولقد فرض الله الشورى على المسلمين و جعلها عمادا لحياتهم العامة , ولو كانت الحكومة الاسلامية حكومة ثيوقراطية لما كنت الشورى , ولما ألزم الله رسوله أن يشاورهم في الأمر "وشاورهم في الأمر"آل عمران :159. وهو في غنى عن مشاورة البشر بالوحي الالهي , ولما ألزم الرسول نفسه نتائج المشورة المخالفة لرأيه الخاص كما فعل في غزوة بدر وغزوة أحد وغيرهما من المواقف , وإنما ألزم الله رسوله المشورة ليضع للناس قواعد الشورى , وألزم الرسول نفسه بنتائج المشورة ليسن لمن بعده أن يلتزم نتائجها و يتقيد بها .
ولو كانت الحكومة الاسلامية تيوقراطية لكان للخليفة أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء , ولكن الخليفة وكل حاكم اسلامي مقيد , فيما ورد فيه نص , بنصوص القرآن و السنة , وفيما لم يرد فيه نص بما تسفر عنه الشورى .
وإذا كان نظام الحكم الديمقراطي يشبه نظام الحكم الاسلامي فيما يوجبه من اختيار الحكام بمعرفة ممثلي الأمة و فيما يوجبه من قيام الحكم على العدل و المساواة و فيما يطلقه من حرية العقول والأفكار, فإن نظام الحكم الاسلامي يختلف عن الديمقراطية في أنه يقيد الحاكمين و المحكومين بقيود تمنعهم من الانطلاق وراء الأهواء و تحول بينهم و بين الخضوع للشهوات . كذلك يختلف الإسلام عن الديمقراطية في أنه لا يترك مقاييس العدالة والمساواة وغير ذلك من الفضائل الإنسانية في يد البشر يرسمون حدودها فيوسعونها تارة ويضيقون منها أخرى نزولا على أهوائهم وخضوعا لشهواتهم , وإنما يرسم الإسلام حدود الفضائل والمبادئ الإنسانية ويضع مقاييسها ويخضع البشر لهذه المقاييس العلوية , وبذلك حمى الإسلام الحياة العامة من الفساد , و كبح الأهواء , وأقام الحكم على أسس من الفضيلة يسلم بها الجميع ويحترمونها ولا يأنفون من الخضوع لها .
أما الديمقراطية فتترك للبشر أن يرسموا حدود كل شيء وأن يضعوا المقاييس للحياة البشرية وثم جمحت بهم الأهواء والشهوات وتغلبت عليهم المصالح والمنافع وانقلبت المجتمعات الديموقراطية إلى مجتمعات متحللة فاسدة تشيع فيها الرذائل وتعيش على مسخ المعاني السامية والفضائل الانسانية , فالعدالة لا تقاس بمقياس القرابة والزلفى والحقوق والحقوق لا تصل لأربابها إلا عن طريق الرشوة والمحسوبية , والتحرر العقلي معناه الانطلاق من الحياة والدين والأخلاق وهدم كل ما يميز الإنسان العاقل عن الأنعام و السوائم . وإذا كان النظام الجمهوري يشبه النظام الإسلامي من حيث اختيار الرئيس الأعلى للجمهورية فإنه لا يوجد أي نظام جمهوري يسمح بانتخاب رئيس الدولة لمدى الحياة كما يسمح بذلك النظام الإسلامي , فضلا عما سبق بيانه من وجوه الخلاف بين النظام الإسلامي والأنظمة الديمقراطية .
وليس بين النظام الإسلامي وبين الأنظمة الديكتاتورية أي وجه من وجوه المشابهة, فالنظام الإسلامي يقوم على البيعة والشورى , وعلى حدود مرسومة بين الحاكمين والمحكومين , وعلى جواز عزل الحاكم , ولا تسمح الأنظمة الديكتاتورية بشيء من ذلك .
ويختلف نظام الحكم الإسلامي عن أنظمة الحكم الملكية , فما يورث الحكم والسلطان في الإسلام , وإنما يترك للجماعة أن تختار للحكم من تراه أصلح الناس له وأقدرهم عليه وحسبنا دليلا على ذلك أن النبي لقى ربه فما تولى الحكم بعده أحد من أهله وإنما خلفه أبو بكر, فلما توفى لم يخلفه أحد من أهله وإنما خلفه عمر , فلما قتل خلفه عثمان وهو من غير أهله , فلما قتل خلفه علي وما كان من أهل عثمان .
وأخيرا فإن كل من يحاول الادعاء بأن نظام الحكم الإسلامي يماثل نظاما معينا من أنظمة الحكم التي عرفها العالم قديما و حديثا فانما يتكل ويدعي ما لا يعلم و يبعد عن الحق؛ فالنظام الإسلامي نظام فريد في نوعه أوجده الإسلام ولم يحاول أحد أن يقلد المسلمين فيه , بل إن المسلمين أنفسهم لم يطبقوا النظام الإسلامي بعد وفاة النبي إلا في عهد الخلفاء الراشدين , ثم حولت الأهواء هذا النظام الإلهي إلى ملك عضوض لا يتورع أن يعطل أحكام الإسلام , ويحل حرمات الله ليمكن للطغاة والفساق والظلمة من رقاب المسلمين .
من كتاب "الإسلام وأوضاعنا السياسية" للقاضي الشهيد الدكتور عبد القادر عوده رحمه الله